فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 457

لم يضف إليه شيء، لكنه امتدّ شكليا بقوة اللعب الصنعيّ وقوة الحاجة التي أخذت تفرضها الحياة في المدينة وحول القصور وأصحابها" [1] ."

انعكست فسيفساء المدينة وزخرفها وتصنعها على المضمون الشعري فأفرغته من محتواه، وبالغت في الاهتمام بشكله، فأضحى صناعة وتأنّقا ومجرد مناورات ذهنية بالكلام، وأصبحت الكلمة فيه مادة قابلة للصناعة فهي:"دمية أو حصاة مزوقة ملساء ترتب مع غيرها في نسق كالعقد أو الحلية" [2] .

والشعر إنْ هو إلا انعكاس لما يجري على مسرح الحياة ولذلك فـ"كما أن الحياة في المدن أصبحت زيا، كذلك القصيدة لم يعد معناها هو الذي يهم الشاعر أو السامع أو القارئ، بل صار زيها هو ما يهمه ... وكما أن الحياة في المدن نقيض للحياة في البداوة، كذلك كان الشعر المصنوع نقيض للشعر المطبوع" [3] ، وكما تسارع إيقاع الحياة في المدينة، واُجتزِئ الزمن، تسارعت إيقاعات الشعر وسادت أوزان خفيفة واٌجتزِئت البحور، لتوافق هذه الحركية المتسارعة والتغيير المستمر، وكما كان الناس ينشدون السهولة واليسر في أسلوب حياتهم، أصبحت اللغة الشعرية البسيطة قريبة تتسم بالمباشرة اللامعة التي لم تشأ أن تقيم فضاء غامضًا بينها وبين موضوعها، كما مال الشعراء أيضا إلى النظرة التفصيلية للأشياء؛ ومثل هذه الظاهرة يقتضيها منطق التطور الحضاري الذي مسّ حياة الناس الفكرية والعملية؛ وهي حياة صارت أَمْيَلْ إلى فهم المركّب بتفكيكه والوقوف على جزئياته وتفاصيله، وعلى المستوى العملي فإنّ ذلك يعني أن الفرد صار يحمل عبأه في مرحلة تضع الفرد أمام اختياره. ففي البيئة البدوية الجماعة تحمل عبء الفرد الذي ينتمي إليها دون أن يتقن الفرد دوره، أما في المدينة فالعكس.

(1) - أدونيس: مقدمة للشعر العربي، ص 70

(2) - أدونيس: مقدمة للشعر العربي، ص 70،71.

(3) أدونيس: مقدمة للشعر العربي،ص: 70،71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت