فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 457

التفصيل يرتبط بحركة التطور وكان الفرد إذ يضيق من أعباء عالمه ويضغط عليه محيطه، يمارس اللّجوء إلى عالم يصنعه على هو اه. وفي الاشتغال بهذا العالم ينشد الفرد توسيع عالمه بالإلحاح على التفاصيل وعلى الجزئيات في محاولة لإثارة الحوادث الموضوعية وفق علاقات يمليها العقل الأكثر تطورًا في زمن آخر اكثر تقدمًا -في العصر الأندلسي- يمكن أن نلاحظ الإغراق في وصف الطبيعة [1] والإلحاح على تفاصيل في إثارة موضوعها الشعري، فابن زيدون مثلا المتوفى سنة 463 هـ وابن خفاجة المتوفى سنة 450 هـ كل منهما يختار الطبيعة ميدانا لشعره فيغرق في وصفها وصفا يتوقف على أدق ما فيها؛ هروبا من واقع مزيّف ليس فيه ما يغري بالحياة، فما هو إلا واقع فسيفسائيّ مليء بالفوضى والسطحية والتناحر والفراغ القاتل. فبعدما كان الإنسان يرى نفسه في البادية أو القرية عضوا في عائلة أو قبيلة أو جماعة تساعده وتحمل مشاقه، أصبح الآن يرى نفسه مستقلا ومنفصلا عنهم، فهوعلى الرغم من أنه محاط بالآخرين إلا أنه وحيد بينهم، وعلى الرغم من انعدام مسافات جغرافية إلا أن المسافات النفسية والاجتماعية جد متباعدة، فهوقريب من الآخرين وبعيد عنهم في الآن نفسه، صلته بهم هشه وواهية وسطحية ورسمية، وتعامله معهم واحتكاكه بهم تصادمي، لأنّ"الدناءة والخلاعة والخداع والحيلة والمكر تغلب عليهم، فمدار أمرهم على المعاملات السيئة والخلف في الوعد" [2] كما يقول فيهم أبو حيان التوحيدي، وهذا ما يزيد من شعوره بالوحدة، ويعمق إحساسه بالانفصال والعزلة، ويلون رؤيته إلى الحياة بصبغة تشاؤمية.

(1) التجأ الشعراء إلى الإغراق في وصف الطبيعة والتركيز على أدق تفاصيلها هروبا من قسوة الواقع المدييني وفراغه الروحي.

(2) خيري منصور: أبو اب ومرايا -ص: 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت