فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 457

يقول أحمد ابن عبد ربه في وصف الدنيا [1] :

ألا إنما الدنيا نظارة أيك

إذا أحضّر منها جانب جفّ جانب

عليها، ولا اللّذات إلاّ مصائب ... هي الدّار ما الأمان إلا فجائع

وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب ... فكم سحت بالأمس عين قريرة

فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة

على ذاهب منها فإنّك ذاهب

إنّ الوعي الذي يحكم العلاقات بين الأشياء داخل النص الشعري هو وعي منطقي، مبني على التريث والبرهنة العقلية للعالم، وعي يحيل الواقع المادي المرثي إلى مقولات للتأمل والنظر، والمستند في ذلك إلى منطق التجربة والمشاهدة، منطق يرى المأساة كامنة في الملهاة والحزن قائما في الفرح، وأن الوجد يحمل نقيضه وأن الحياة تحمل نفيها، وأن الناس يحملون أبدا زوالهم في الزمن الدنيوي، فإذا وقفنا في الربيع وخضرته، ينبغي علينا أن ننظر كذلك إلى نقيضه؛ إلى الخريف وتساقط الأوراق وجفاف الأرض.

بهذه الرؤية وبهذا المنطق يغرق الفرد في حالة من اليأس واللامبالاة والبرودة اتجاه كل شيء، ويقع تحت طائلة اغتراب نفسي واجتماعي مؤرق. فها هو ذا عبد الرحمن الداخل ذوالأصول المشرقية يعبّر عن غربته في المجتمع الأندلسي ويعلن عن حنينه الجارف إلى بيئته المشرقية فيقول:

تبدت لنا وسط الرصافة نخلة

تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل

وطول التنائي عن بيتي وعن أهلي ... فقلت: شبهي في التغرب والنوى

فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي ... نشأتِ بأرض أنت فيها غريبة

سقتكِ غوادي المرض من صولها الذي

يسحُ ويستمّر السمَاكَيْنِ بالوَيْلِ

(1) جذوة المقتبس للحميدي، ص: 96 وبقيمة الدهر للتعالي 2/7، والمطرب من اشعار أهل المغرب لابن وجيه -ص: 155، نقلا عن ملامح الشعر الأندلسي، عمر الدقاق -ص 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت