فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 457

ولعل ذلك الإغراق في العبث واللهوالذي سبق ورأيناه عند من ذكر من الشعراء وهذا التشاؤم والانعزال الذي يجسده أبو المخشي ما هو في حقيقته، سوى مظهر من مظاهر الغربة بارز، ودلالة عليه أعمق، ونتيجة حتمية لها؛ باعتباره هروبا من مواجهة واقع مضطرب مرير. واقع ألفى فيه الفرد نفسه عاجزا عن تحقيق ذاته في مجتمع انهار جهازه القيمي وتفككت معاييره وتلاشت مبادئه، فأضحى محكوما باللامعنى يواجه فراغا هائلا،"نتيجة لعدم توفر أهداف سياسية تعطي معنى لحياته، وتحدد اتجاهاته، وتستقطب نشاطاته" [1] . فالمواطن العادي لا يملك من أمر نفسه شيئا، ولا يشترك في صياغة القرارات المهمة، بل كثيرا ما يفاجأ بأحداث سياسية تقرر مصيره دون علم مسبق منه، وقرارات ارتجالية مبنية على الفوضى والغوغائية، اتخذها الأمراء في إحدى ساعات سكرهم ولهوهم ومجونهم، وفي ذلك يقول الشاعر [2] :

إذا لعب الرجال بكل شيء

رأيت الحب يلعب بالرجال

1@بنوا تلك المقابر بالصخور ... وفي هذه الحالة من العجز السياسي، الذي يتطلب من المواطن أن يكون مهمشا غائبا عن مسرح الحياة، وفي ظل هذه التصرفات الظالمة، يجد الإنسان نفسه مدفوعا رغما عنه إلى غربته السياسية، فضلا عن الغربة الاجتماعية والنفسية نتيجة الانحلال الخلقي -كما أسلفنا- وإنبناء العلاقات على الزيف والتناقض والنفاق والرياء، وبالتالي عدم الانسجام مع المجتمع، ومجانبته والانفصال عنه، ومن ثم اللجوء إلى الانتحار البطيء، والانتقام من الذات- التي لم تستطيع أن تحقق ذاتها، ولم تستطيع أن تجد العزاء والرضا فيما تقوم به من ألوان النشاط - عن طريق الإغراء في أتون اللذة التماسا لنوع من العزاء .

(1) - بسام خليل فرنجية: الاغتراب في أدب حليم بركات، فصول المجلد 4، ع1، أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر 1983، ص 209.

(2) - عمر رضا كحالة: الحب، مؤسسة الرسالة، بيروت 1978، ص 198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت