فهرس الكتاب
وفي ظل هذا الجوالاغترابي، يتكثف الحزن وتتعمق المأساة، ليبرز التشكي طورا، والانعزال والنفي الذاتي أطوارا أخرى. فها هو أبو المخشي [1] يجسد الظلم الذي وقع عليه ويشكومأساته، ويفتحها على العالم . لم؟ لان عينيه سُملتا ولسانه قطع؛ لقد هجا هشام ابن عبد الرحمن الداخل وعرّض به نظرا لاستهتاره وعدم أهليته للخلافة، فدفع الثمن فادحا، وعاش بقية عمره على هامش الحياة يحمل جرحه ويعاني اغترابه المادي واغترابه النفسي. فيقول مجسدا ذلك:
خضعت أم بناتي للعدا
إذ قضى الله بأمر فمضى
ورأت أعمى ضريرا إنما
مشيه في الأرض لمسُ العصى
ويقول:
أبصرت مسيدلا من طرفه
قائدا يسعى حيث سعى
بالعصا إن لم يقده قائد
وسؤال الناس يمشي وإن مشى
ويقول:
أمس بنياتي الضعيف حويلها
تعول امرأ مثلي وكان يعولها
إذا ذكرتْ ما حال بيني وبينها
بكتْ تستقيل الدهر ما لا يقيلها
(1) - هو عاصم بن زياد ذوأصل نصراني عربي وفد أبو ه إلى الأندلس في زمن الولاة وكان سليط اللسان هجّاء، هجا هشام بن عبد الرحمان الداخل وعرض به وكان احولا، فلما ظفر به هذا الأخير سمل عينيه وقطع لسانه، ولما آلت الامارة إلى هشام أكله الندم، فقرب الشاعر منه، وأجزل له العطاء، لكن المأساة كانت قد مضت . ومما قاله في هجاء هشام:
وليس كمثل من سبل ... ... عرفا يقلب مقلة فيها اعورار.
... لمزيد من الاطلاع انظر: المغرب في حلي المغرب لعلي بن سعيد المغربي 2/123 والأدب الأندلسي، د/ أحمد هيكل، ص 96.