فهرس الكتاب
يتناول الغزال في هذه المقطوعة ظاهرة اجتماعية بالنقد، وهي ظاهرة الترف في بناء القبور، فالموضوع الجديد، وهذه الهندسة الشكلية تشير إلى مظاهر الترف الاقتصادي الذي مس حياة بعض الناس، وحُرم منه البعض الآخر. ثم إن ترصيع القبور بمظاهر معمارية ليدل على انجذاب المجتمع نحوما هو دنيوي لا ما هو ديني؛ فالمعمار ولع بالحياة فوق جثة الموت، والمعمار يخطفنا من الزمن البدوي إلى الزمن الحضري، من الزمن الديني إلى الزمن المديني، وبهذا المعنى مؤشر على كون العلاقة بين الإنسان والدين لم تعد علاقة (خارجية) صارمة بالمعنى المذهبي. فهي علاقة انفصال أكثر مما هي علاقة اتصال، علاقة فقد فيها الإنسان اتصاله بالدين ففقد طمأنينته الروحية واستقراره النفسي، وأصبح فريسة سهلة للاغتراب، حيث تلاشت الروح وطغت المادة، فتقزم الإنسان وتشيأ وتأّلهت المادة، ومورست الدنيا في الآخرة لا الآخرة في الدنيا (الزخرفة والترف في القبور/الحياة في الموت) وأصبحت الخمرة معبودة، والإنسان في محرابها ناسكا متعبدا، يحطها بطقوس ويمارسها بخشوع - ربما، يفوق خشوع المصلي المحافظ في صلاته-، ولذلك يغترب الإنسان ويصبح لا يتحدث لغته هو ، ولا يعبر عن أفكاره ومشاعره هو ، ولا يبدي رأيه ومعرفته هو ، بل يعبر عن شيء آخر، شيئ غير نفسه، شيئ هو من صنع أفكار هذا العالم المتشيئ فتضخمت غربته وعظمت مأساته فأنكر دينه:
نكرت الدّنا والأرض منها فليس لي
بها عَقْوةٌ آوى إليها ولا أهلُ [1]
وأفردني صرف الزمان كأنني
ضرير من الهندي أخلصه الصقل
تكاثر الفساد وقلّ أولوالفضل حتى انعدموا أو كادوا، وعمّ الظلم وآذى الناس بعضهم بعضا:
تكاثر نوع الأذى في الورى
(1) - محمد رضا الشبيبي: أدب المغاربة والأندلسيين في أصوله المصرية ونصوصه العربية دار اقرأ للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت، ط2، 1984، ص 111.