الصفحة 49 من 108

وكان هذا هو شأن الأرمن في كل وقت وحين- تنتهز الفرص للتخلص من الحكم الإسلامي- خاصة وأن بلادهم بعيدة عن مركز القوات الإسلامية [1] .

* تعليق:

ومما يجب الإشارة إليه أن هذه الفتوحات لم تكن من أجل التوسع للإستغلال والاستبعاد، وامتصاص اقتصادهم ليعيش الفاتحون في الرفاهية، ومتع الحياة وزينتها، والمحكمون في الذل والهوان، كلا وإنما كانت تهدف إلى نشر الإسلام وتعاليمه ومبادئه العادلة بين هذه الشعوب بالتي هي أحسن، الأمر الذي ساعد على إسلامهم، واندماجهم إلى حد كبير في المسلمين، وتأثرهم بالغة العربي، مما أدى إلى اشتغالهم بعلوم الإسلام حتى أصبحوا في وضع إجتماعي وأدبي مثل العرب المسلمين، ومما يشير إلى هذه الحقيقة التاريخية نبوغ كثير منهم في مختلف العلوم والفنون الإسلامية والعربية والشرعية، حتى أصبح منهم في فحول العلماء في اللغة والدين، بل وأصبحوا أساتذة العالم وينبوع علم ومعرفة أضاءت للعالم ما كان خافيا عليهم، انظر إلى علماء بغداد والقاهرة، ودمشق وغيرها .. وانظر إلى أئمة العلوم أبي حنيفة، وسيبويه، وابن الهيثم، والخوارزمي، وغيرهم.

ومما تجب الإشارة إليه في هذا أن الفتوحات الإسلامية عامة تختلف عن كل الفتوحات في العالم القديم والوسيط والحديث، فغيرها كان يتسم بالعنف والإبادة والقضاء على معالم الحياة، انظر معي- وليس ذلك بغريب عن القارئ للتاريخ- ما تم على يد المغول والتتار الذين أزالوا كل معالم الحضارة، وقضوا على كثير من مظاهر الحياة الإنسانية، إلى أن عايشوا المسلمين، وعرفوا تعاليم الإسلام التي غزت قلوبهم، فأسلم بعضهم وخدم الإسلام بنشره بين قبائلهم الوثنية، بعد أن كانوا غلاظ الأكباد، والرحمة لا تعرف إلى قلوبهم سبيلا- كما هو مسطور في كتب التاريخ.

(1) ابن الأثير: المصدر السابق نفس الجزء 43 -الطبري: تاريخ الأمم والملوك 4/ 246، 247 - النويري: نهاية الأرب 19/ 407 -وانظر: نصار: أولئك هم الراشدون208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت