فهرس الكتاب
وهذا الإمام محمد بن اسماعيل البخاري صاحب أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل كان ثمار تربية أم نذرت نفسها لتربية إبنها بعد وفاة زوجها فقد خططت لإبنها أن يكون عالمًا يشار إليه بالبنان ، ولكن عائقًا كبيرًا كان يقف أمام تحقيق هذا الحلم العظيم . إن هذا العائق هو كون ولدها ضريرًا منذ صغره فماذا تصنع حتى تستطيع أن ترى ابنها على الصورة التي تريد ؟
لقد جدت بالدعاء إلى الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار ، وبقلبها الرقيق الخاشع أخذت تناجي الله في الليلة الظلماء داعية الحي القيوم أن يرد على ابنها بصره ، وفي إحدى الليالي وعندما كانت نائمة إذا بها ترى فيما يرى النائم الخليل إبراهيم عليه السلام يقول لها: ( يا هذه قد رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك له ) .
وفي الصباح قامت تنظر إلى ابنها وتحدثه لترى صدق ما رأت . يا للفرحة تعمر قلبها فقد تحقق حلمها ورجع ابنها بصيرًا وبدأ رحلته في طلب العلم وأول ما ابتدأ بالحج إلى بيت الله الحرام فاصطحب أمه وأخاه معه ، وأخذ ينتقل من قطر إلى آخر يعرض نفسه للمخاطر والمشقة في سبيل تتبع رواة الحديث ومتنه حتى ألف كتابه المشهور وجمع فيه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث وسمّاه الجامع الصحيح المسند الذي يعد أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل .
وقد كان إمامنا قوي البصر والبصيرة واسع العلم والحفظ ولديه الصبر والجلد على السفر ومتاعبه فعندما قدم إلى بغداد وسمع به أصحاب الحديث اجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ودفعوا إلى كل واحد منهم عشرة أحاديث ليلقيها على الإمام البخاري ليمتحنوه هل يستطيع معرفة السند الصحيح من غيره أم لا ؟ واستطاع إمامنا الجليل بذكائه وحنكته أن يرد كل متن إلى إسناده حينها أقر الناس له بالحفظ وسعة العلم .