الصفحة 2 من 7

وقد علم هذا كله الصحابة الكرام، كما عرفوا ضرورة الحفاظ عليها، فسلكوا مسلك الحيطة الشديدة في قبولها من الآخرين، والتأكد من صحتها قبل أن يحدثوا بها عن النبي صلى الله عليه وسلم مخافة أن تبدل كلمة بكلمة، فيدخلوا في عموم التحذير من الكذب، ومخافة أن تكون روايتهم ذريعة إلى ذلك (7) .

ب- ثم جاءت الفتنة لتحيي في بعض النفوس المريضة التي أظهرت الإسلام، النعرات البغيضة، وتثير فيهم الحقود الدفينة، فعمدوا إلى الدس والكذب، وإثارة الشبهات متخذين من الاختلافات الاجتهادية السياسية بين الصحابة مطايا للتشويش على عوام الناس .. وبتقادم الزمن وبعد العهد من الرسول صلى الله عليه وسلم طالت الأسانيد وقويت حملات الطعن في السنة، الأمر الذي دفع علماء السنة إلى الفحص على النقلة والبحث عن أحوالهم، ليؤخذ بكلام الصادقين ويعمل به، ويرمى كلام الكاذبين ويدفن، أو يروى فيبين ويشهر (8) .

جـ- إضافة إلى ذلك، فإن الأحاديث قد يدخلها السقيم من الروايات، ويكون ذلك راجعًا إلى النسيان والغفلة، فالإنسان يخطئ وقد يكون هذا الخطأ بالنسيان أو بالعمد دسًا وكذبًا، وتبقى النتيجة واحدة بالنسبة لصدق الحديث وكذبه، لذلك لزم تنقية الأحاديث من شوائب الأخطاء بأصنافها، وهذا تقصاه العلماء الأفذاذ شعورًا منهم بالمسؤولية في الذب عن الدين عمومًا، وأداءً لواجب نبيل يتعبدون به الله تعالى، ولذلك قال الإمام مسلم: (فإن كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره، ممن جهل معرفته، كان آثمًا بفعله ذلك، غاشًا لعوام المسلمين) (9) .

وقد دعت مجموعة هذه الأسانيد المحدثين إلى أن يبحثوا عن أحوال الرواة، وجعلوا بينهم وبين من يتصدى للرواية (الإسناد) (10) ، ووضعوا قواعد لنقد السند وأخرى لنقد المتن وكشف العلل فيهما، بناء على منهج شامل لكافة جوانب الحديث.

بدايات نقد الأخبار:

في الواقع بدأ البحث والتنقيب في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته (11) كأولى خطوات النقد، حيث بدأ على شكل سؤال واستفسار لدى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، كان من باب الاستظهار والاستيثاق للوصول للطمأنينة القلبية، لكنها كانت على نطاق ضيق (12) جدًا، لأن الصحابة ما كانوا يكذبون ولا يكذّب بعضهم بعضًا (13) ، حتى إذا قبض الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وكان لزامًا على أمته أن تتمسك بسنته الشريفة، عرف عن بعض الصحابة التحرز الشديد في قبول الأخبار (14) .. فالصحابي كان شديد الحرص والتمسك بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أخذه من فعله مباشرة دون واسطة، إذ لا تداني هذه الرواية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت