أية رواية أخرى في قوة الثبوت والتأكد، لكن قد يقع للصحابي أن يسمع من صحابي آخر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيتوقف فيه حيث لا يراه منسجمًا مع ما فهمه من معاني القرآن الكريم وما سمعه هو من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا إما أن يتوقف الصحابي في الرواية مجرد توقف سرعان ما يزول إذا تعدد من سمع نفس الرواية (15) ، وإما أن ينكرها إطلاقًا، حملًا لها على سهو الناقل وخطئه ووهمه (16) .
كما قام بالنقد عدد من الصحابة في حياة عمر وبعد وفاته، وأضافوا قواعد للنقد، ومن هؤلاء أم المؤمنين عائشة.
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ونقد الروايات:
أ- خصائصها العلمية في النقد:
امتازت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالذكاء والفهم وكثرة الرواية، وكانت تفسر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بين يديه لمن لم يفهم، كما كانت طُلْعَة كثيرة السؤال، لا يهدأ لها بال حتى ترضي طمأنينتها وتجلو لنفسها كل خفي مما يحيط بها (17) .. فقد أوردت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسئلة في كل ما يمر بها من موضوعات في الفقه والقرآن الكريم والأخبار والمغيبات، وفيما يعرض له من أحداث وخطوب .... (وهذا شأن المرء ذي الطبيعة العلمية، كلما عظم حظه من المعرفة كثر تطلعه إلى ما فوقه، أما الجاهل فليس بمعني أن يسأل، فإذا أصاب من المعرفة حظًا ما بطريق العرض، كان أبعد الناس على أن تطلب نفسه مزيدًا أو تحدثه بسؤال يسأله .... ) (18) .
لهذا فإن قائمة الذين عرفوا بنقد الراويات محدودة، سجلت أسماء لامعة أنعم الله عليهم بالخصائص التي تؤهلهم لأن يمعنوا النظر في النصوص ويقلبوها على عدة وجوه، ويتفحصوا الظاهر والباطن ليميزوا الخبيث من الطيب، وشاء الله تعالى أن يخلد اسم عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الأسماء، ومقامها في هذا مقام الأستاذ لما قدمت من صحة النظر، وصواب النقد، وحضور الحفظ، وجودة النقاش.
ب- منهجها رضي الله عنها في نقد الروايات:
كان يصل إلى مسمع السيدة عائشة عن بعض الصحابة روايات وأحكام على غير وجهها، فتصحح لهم ما أخطأوا فيه أو خفي عليهم، حتى عرف ذلك عنها، فقد استدركت على بعضهم ضياع أول الكلام عليهم أو آخره، واستدركت على كثيرين فهمهم للحديث أو خطأ استنباط حكم من آية، وكان الناس يقعون منها في كل ذلك على علم غزير وفهم حصيف ورأي صائب، ولا غرابة فقد