كانت عائشة الملجأ الأخير الذي ترفع إليه مسائل الخلاف والروايات وأحكام الشريعة لتصحيحها والقضاء فيها بالقول الفصل.
وبعد تتبع استدراكاتها على الصحابة في القضايا المختلفة، يمكن الوصول إلى رسم الخطوط الأساسية لمنهجها في رد الروايات وتصحيحها وتصويبها، وبيان خاصها من عامها، وإيراد سبب الورود فيها .. وقد استخلصنا في هذا معالم لمنهجها نوجزها ونجملها في النقاط التالية:
أولًا: معارضة الروايات بالنصوص القرآنية:
أكثرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من استعمال هذا المنهج، وحكمت في ضوئه على الراوي بالخطأ، ولا يهمنا هنا أن نبحث عن مدى صحة نقدها وكيف أجيب عن اعتراضاتها، لكننا نبحث عن منهجها في النقد فقط.
وقد استخدمت رضي الله عنها هذا المنهج بأشكال مختلفة، ولكنها كانت تأتي بالآية القرآنية لتؤيد بها ما ذهبت إليه في تصحيح الرواية أو ردها أو بيان خصوصيتها ودلالة معانيها .. ونورد هنا بعض الأمثلة لتوضيح هذا:
ـ تصحيح الرواية ببيان الخصوصية ثم تأييدها بالآية: كما في نقد رواية (ولد الزنى شر الثلاثة) (19) ، التي يرويها أبو هريرة، فقد عابت السيدة عائشة على أبي هريرة تعميمه لهذه الرواية، وغفلته عن سبب الورود الذي قيل فيه الحديث، فسمعه على غير وجهه، فأكدت أن الحديث لم يكن على هذا إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من يعذرني من فلان) ؟ قيل: يا رسول الله إنه مع ما به ولد زنى، فقال: (هو شر الثلاثة) ، والله تعالى يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (الأنعام:164) (20) .
كذا ما رواه أبو هريرة في ولد الزنى، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لأن أُمتِّعَ بسوط في سبيل الله أحبّ إلي من أن أعتق ولد الزنى) (21) ، فقد عابته عائشة أيضًا على أبي هريرة، وبينت سبب الورود وأنه لما نزلت: (فلا اقتحم العقبة* وما أدراك ما العقبة* فك رقبة) (البلد:11 - 13) ، قيل: يا رسول الله، ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له الجارية السوداء، تخدمه وتسعى عليه، لو أمرناهنَّ فزَنَيْنَ، فجئن بأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن أُمتِّعَ بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن آمر بالزنى، ثم أعتق الولد) (22) ، وأكدت رد الرواية على هذا الوجه بأنها مخالفة لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (الأنعام:164) .
فعائشة لم تكتف في ردها الرواية ببيان سبب الورود الذي لعله يكون كافيًا في إظهار المراد، لكنها قرنت الحجة بالحجة، وجاءت بكلام الله تعالى مؤيدًا لما تراه في هذا الموضوع أو سمعته هي من فم