فهرس الكتاب
ولكن التعارف بين المسلمين، ليس هو مجرد معرفة اسم الشخص واسم أبيه ولقبه ووظيفته فقط، وإنما المقصود منه ما هو أهم من ذلك، وهو تقوية أواصر الأخوة الإيمانية التي يترتب عليها العمل بكل ما يقويها من المحبة، والتزاور والتواصل وعيادة المريض، وإجابة الدعوة، وإعانة المحتاج والضعيف وإفشاء السلام، وطلاقة الوجه وطيب الكلمة، والتواضع وقبول الحق، والعفو والسماحة ودفع السيئة بالتي هي أحسن، والإيثار وحُسن الظن، ونصر المظلوم، وستر المسلم، إذ وجدت منه هفوة، وتعليم الجاهل، والإحسان إلى الجار، وإكرام الضيف، وأداء كل الحقوق إلى أهلها، والنصح لكل مسلم.
وكذلك تجنب كل ما يضعف الأخوة الإيمانية من ظلم وحسد، واحتقار وسخرية، وغيبة ونميمة، وهجر وقطيعة، وفعل ما يثير الشك والقلق عند أخيه المسلم، ومنافسته على بعض أمور الدنيا التي قد شرع فيها، كالبيع على البيع، والخطبة على الخطبة، والغش والكذب. [كل ما ذكر هنا مما يقوي الأخوة الإيمانية أو يضعفها فيه نصوص كثيرة من الكتاب والسنة لا يتسع المقام لذكر بعضها، واستوعب جملة صالحة منها كتاب"أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي"للمؤلف وقد طبع] .
ولقد كانت هذه المعاني العظيمة التي هي الأخوة الإيمانية وتعاطي ما يقويها، وتجنب ما يضعفها، موجودة في أعلى صورها عندما كان المسجد موجودًا في أعلى صورة له، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين، وقد ربط الرسول صلى الله عليه وسلم أول أخوة سامية وجدت على ظهر الأرض، وهيالأخوة بين المهاجرين والأنصار الذين أظلهم مسجده الشريف، وربطت أخوتَهم الشهادتان، ووحدتَهم رايةُ الجهاد في سبيل الله، حتى لقد عزم أخ من الأنصار أن يتنازل لأخيه من المهاجرين عن شطر ماله، وإحدى زوجتيه يطلقها، فتعتد فيتزوجها المهاجر، فما كان من المهاجر، إلا أن قال للأنصاري: بارك الله لك في أهلك ومالك. [البخاري (4/222) ] .