فهرس الكتاب
وليس المقصود هنا ذكر صفات ولاة الأمر وواجباتهم وإنما المقصود ذكر ما يؤثر في رعيتهم من الخير، فالإيمان والعمل الصالح وعبادة الله الشاملة، وأداء حقوق الرعية صفات ذات أثر كبير في اقتداء الرعية بولي أمرهم، وتأثيره في رعيته الكبار يؤثر على الصغار، لأن الكبار يقتدون بالراعي، والصغار يقتدون بالكبار، وقد شبه العلماء ولي أمر المسلمين، بالقلب الذي إذا أصلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، وهو ما عناه الشاعر:
إذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
المبحث الثاني: حظر المحرمات ووسائل الإغراء بالانحراف، وحمل المجتمع على الطاعة، وزجره عن المعصية.
إن ولاة الأمور الذين تتحقق فيهم القدوة الحسنة، لا تَرضَى نفوسهم أن يروا المجتمع يعيش في مستنقع آسن من الشهوات والمعاصي، والبُعد عن طاعة الله سبحانه وتعالى، بل يثقل كاهلهم رؤية الفواحش والمنكرات ووسائل الإغراء بها، رأفة بأمتهم وإشفاقًا عليها من أن تلقى ربها بالذنوب والآثام.
كما قال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو قدوة أمته، ولاتِهم ورعيتِهم: (( لَقَد جَاءَكم رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُمْ عَزيز عليه مَا عَنِتُّمْ حَريص عَلَيكم بِالمُؤمِنِينَ رءوف رَحِيم ) ) [التوبة: 128] .
وقد ضرب صلى الله عليه وسلم مثلًا يبين شدة شفقته على أمته من الوقوع في المعاصي، فَمَثَّلَ المعاصي بالنار، ومثَّلَ أمته بالفَراش يقع في النار، ومثل نفسه برجل ينزعهن عن النار، وهن يغلبنه بالوقوع فيها، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل ينزعهن ويغلبنه، فيتقحَّمْن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وهم يقتحمون فيها) [البخاري (7/186) ومسلم (4/1789] .