وقد شرع يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم صلوات الله وسلامه في إقامة بناء في المكان الذي اتخذه إبراهيم عليه السلام للعبادة على شكل خيمة أبو بناء صغير متواضع، ولعل هذا ما حدا بابن القيم رحمه الله أن يقول بأن يعقوب هو أول من بنى المسجد الأقصى، فالمقصود اتخاذ البناء، لا اتخاذ المكان مسجدا، والله أعلم.
مسجد لا معبد ولا هيكل:
لما جاء الإسلام وأسري بالرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان هذا إيذانا بانتهاء ولاية بني إسرئيل على المكان الأقدس الثالث في العالم، ولم يكن هذا إنهاء لولايتهم على ذلك المكان فقط، بل كان إعلانا بانتهاء ولاية الله لهم، إذ كانوا قبل ذلك هم الأمة المفضلة على العالمين {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمِينَ} (البقرة: 122) إلا أن التحريف والفساد الذي تكاثر في أمة بني إسرائيل، من يهود ونصارى قد أذن بأفول نجمهم وسطوع نجم الأمة الأخيرة التي لم يجعلها الله مفضلة على بني إسرائيل فقط، بل جعلها خير أمة أخرجت للناس، فكان طبيعيا أن تضطلع هذه الأمة الخيرية برعاية الأماكن الخيرية في العالم، تلك التي شرفها الله وقدسها وطهرها لمكانة تنزل أفضل مخلوقات السماء فيها، وهو جبريل عليه السلام، على أفضل مخلوقات الأرض، وهم رسل الله صلوات الله عليهم بأفضل المناهج وهي الكتب السماوية المنزلة من عند خالق الإنسان والأكوان سبحانه وتعالى.
فالقداسة والتعظيم، ليسا من صنع البشر قبل الإسلام أو بعده، ولكن من قدس تلك الأماكن بعلم، وهو العليم الخبير، الذي قال عن نفسه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (القصص: 68) .