فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 50

استنقذتهن من أيدي الروم، وخرجت وهي تقول:

نحن بنات تُبَّعٍ وحِمْيَر ... وضَربُنا في القوم ليس يُنكر

لأننا في الحرب نار تسْعَرْ ... اليوم تسقَوْن العذاب الأكبر

فلم تكن غير جولة جائلٍ حتى خرج وسنانه ملطَّخٌ بالدماء، وقد قتل رجالًا، وجندل أبطالًا، ثم عرّض نفسه للموت ثانية، فاخترق صفوف القوم غير مكترث، وخامر المسلمين من القلق والإشفاق عليه شيء كثير، وظنه أناس خالدًا، حتى إذا قدم خالد، قال له رافع بن عميرة: من الفارس الذي تقدم أمامك؛ فقد بذل نفسه ومهجته؟ فقال خالد: والله لأنّا أشد إنكارًا وإعجابًا لما ظهر من خلاله وشمائله، وبيْنا القوم في حديثهم، خرج الفارس كأنه الشهاب الثاقب، والخيل تعدو في أثره، وكلما اقترب أحد منه ألوى عليه، فأنهل رُمحه من صدره، حتى قدم على المسلمين، فأحاطوا به وناشدوه كشف اسمه ورَفْع لثامه، وناشده ذلك خالدٌ وهو أمير القوم وقائدهم، فلم يُحرْ جوابًا، فلما أكثر خالدٌ أجابه وهو مُلثَّم، فقال: أيها الأمير، إني لم أُعرِض عنك إلا حياءً منك؛ لأنك أمير جليلٌ، وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور، وإنما حملني على ذلك أني محرقة الكبد، زائدة الكمَد. فقال خالدٌ: من أنتِ؟ قالت: أنا خولة بنت الأزور، كنتُ مع نساء قومي فأتاني آتٍ بأن أخي أسير، فركبتُ وفعلت ما رأيت، هنالك صاح خالدٌ في جنده، فحملوا وحملت معهم خولة وعظم على الروم ما نزل بهم منها، فانقلبوا على أعقابهم، وكانت تجول في كل مكان علَّها تعرف أين ذهب القوم بأخيها؟ فلم تر له أثرًا، ولا وقفت له على خبر، على أنها لم تزل على جهادها، حتى استُنقذ لها أخوها [1] .

ومن مواقفها الرائعة: موقفها يوم أُسِرَ النساء في موقعة"صحورا"، فقد وقفت في

(1) فتوح الشام (1/ 127، 128) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت