عن أبي مالكٍ الأشعريّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: ( ... كلُّ النَّاس يغدو، فبائعٌ نفسهُ فمعتقها أَوْ مُوبِقُها) قطعة مِن حديث رواه مسلم (223)
دلَّ الحديثُ عَلَى أنّ كلَّ إنسان فَهُوَ ساعٍ فِي هلاك نفسه، أَوْ فِي فِكاكها، فمن سعى فِي طاعة الله، فَقَدْ باع نفسَه للهِ، وأعتقها مِن عذابه، ومن سعى فِي معصيةِ الله، فَقَدْ باعَ نفسَه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه. [جامع العلوم والحكم (2/28) ]
ما ابتلى اللهُ سُبْحَانَه عبدَه المؤمنَ بمحبّةِ الشهواتِ والمعاصي وميلِ نفسِهِ إِلَيْهَا: إِلاَّ ليسوقَه بِهَا إِلَى محبّةِ مَا هُوَ أَفضلُ مِنْهَا وخيرٌ له وأَنفعُ وأَدْوَمُ، وليجاهدَ نفسَه عَلَى تركِها له سُبْحَانَهُ، فتورثُه تلكَ المجاهدةُ الوصولَ إِلَى المحبوبِ الأَعلى، فكلّما نَازَعَتْهُ نفسُه إِلَى تِلْكَ الشَّهواتِ واشتدّتْ إِرادتُه لَهَا وشوقُهُ إِلَيْهَا؛ صَرَفَ ذَلِكَ الشَّوقَ والإِرادةَ والمحبّة إِلَى النوعِ العالي الدَّائمِ، فكانَ طلبُهُ له أَشدَّ، وحرصُه عَلَيهِ أَتمَّ، بخلافِ النَّفسِ الباردةِ الخاليةِ مِنْ ذَلِكَ؛ فإِنّها وإِنْ كانت طالبةً لِلأَعلى؛ لكنْ بينَ الطلبينِ فرقٌ عظيمٌ، ألا ترى أَنَّ مَنْ مشى إِلَى محبوبِهِ عَلَى الجمرِ والشوكِ: أَعظمُ ممّن مشى إِلَيْهِ راكبًا عَلَى النجائبِ!
فليسَ مَنْ آثرَ محبوبَه مَعَ منازعةِ نفسِهِ كمن آثرَه مَعَ عدمِ منازعتِها إِلَى غيرِهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يبتلي عبده بالشهواتِ؛ إِمّا حجابًا لَهُ عَنْهُ، أَوْ حاجبًا لَهُ يوصلُه إِلَى رضاه وقربِهِ وكرامتِهِ.
(اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ) . صحيح سنن أبي داود (5090)