وفي سنن أبي داود عن ابن زغب الإيادي، قَالَ: نزل عليَّ عبد الله بن حوالة الأزدي فقال لي: بعثنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، لنغنم عَلَى أقدامنا، فرجعنا فلم نغنم شيئًا، وعرف الجهد فِي وجوهنا، فقام فينا فقال: ( اللهم لاَ تكلهُمْ إليَّ فَأَضعُفَ عَنْهُم، وَلاَ تكلهُم إِلَى أَنْفُسِهمْ فَيَعْجِزُوا عنها، وَلاَ تكلهُم إِلَى النَّاس فيستأثروا عليهم ) صحيح سنن أبي داود (2210)
فَإِذَا وفّق الله عبدًا توكّل بحفظه وكلاءته وهدايته وإرشاده وتوفيقه وتسديده، وإذا خذله وكله إِلَى نفسه أَوْ إِلَى غيره ولهذا كَانَتْ هَذِهِ الكلمة (( حسبنا الله ونعم الوكيل ) )كلمة عظيمة، وهي الَّتِي قالها إبراهيم عَلَيهِ الصلاة والسلام حين ألقي فِي النّار، وقالها محمّد صلى الله عليه وسلم حين قَالَ لَهُ النَّاس: إنّ النَّاس قَدْ جمعوا لكم فاخشوهم، وقالتها عائشة حين ركبت النّاقة لما انقطعت عن الجيش، وهي كلمة المؤمنين.
فمن حقق التوكّل عَلَى الله لَمْ يكله إِلَى غيره وتولاّه بنفسه.
وحقيقة التوكّل مكلة الأمور كلها إِلَى مَنْ هِيَ بيده. فمن توكّل عَلَى الله فِي هدايته وحراسته وتوفيقه وتأييده ونصره ورزقه وغير ذلك مِن مصالح دينه ودنياه تولّى الله مصالحه كلّها؛ فإنه تَعَالَى هُوَ ولي الَّذِينَ آمنوا، وهذا هُوَ حقيقة الوثوق برحمة الله كَمَا فِي هَذَا الدعاء فإنّي لاَ أثق إِلاَّ برحمتك فمن وثق برحمة ربّه ولم يثق بغير رحمته فَقَدْ حقق التوكّل عَلَى ربّه فِي توفيقه وتسديده فَهُوَ جدير أَنْ يتكفّل الله بحفظه وَلاَ يكله إِلَى نفسه. وفي هَذَا الحديث وصفُ النَّفْس بأوصاف ذميمة كلّ ذَلِكَ حذرًا أَنْ يوكل العبد إِلَى مَنْ هَذِهِ صفاته وهي أربعة أوصاف: الضيعة والعورة والذنب والخطيئة؛فالضيعة هِيَ الضياع فمن وكل إِلَى نفسه ضاع؛ لأن النَّفْس ضيعة فإنّها لاَ تدعوا إِلَى الرشد وإنما تدعوا إِلَى الغيّ.