فحقيقٌ بمن هَذَا شأنُهُ أَنْ يرغبَ إِلَى خالقها وفاطرها أَنْ يَقِيَها شرَّها، وأن يُؤْتيَها تقواها ويُزكّيها، فَهُوَ خيرُ مَنْ زكّاها، فإنّه رَبُّهَا ومولاها، وأن لاَ يَكِلَه إِلَيْهَا طَرْفَةَ عين، فإنَّه إن وَكَله إِلَيْهَا هَلَكَ، فَمَا هَلَكَ مَنْ هلك إِلاَّ حيثُ وُكِلَ إِلَى نفسه.
النَّفسُ إِذَا سَكَنَتْ إِلَى اللهِ، واطمَأَنَّتْ بِذِكْرِهِ، وأَنابَتْ إِلَيْهِ، واشتاقَتْ إِلَى لِقَائهِ، وأَنِسَتْ بقُرْبِهِ، فهي مُطْمَئنَّةٌ، وهي التي يُقالُ لَهَا عِنْدَ الوفاةِ: (( يَا أَيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعي إِلَى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ) ) [الفجر: 27-28] .
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي ) ) [يوسف: 53] .
أي: تأْمُرُ صاحِبَها بِمَا تهواهُ، مِن شهواتِ الغيِّ، واتّباعِ الباطلِ، فَهِيَ مأْوى كلِّ سوءٍ، وإِنْ أَطاعَها قادَتْهُ إِلَى كلِّ قبيحٍ وكلِّ مكروهٍ.
وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهَا أَمَّارةٌ بالسّوءِ، ولم يَقُل:"آمرةٌ"لكثرةِ ذَلِكَ مِنْهَا، وأَنَّهُ عادَتُها ودَأْبُها إِلاَّ إِذَا رحِمَها اللهُ وجعَلَهَا زَاكيةً تأْمُرُ صاحِبَها بالخيرِ، فذلك مِن رحمةِ اللهِ، لاَ مِنْهَا، فإنَّهَا بذاتِها أَمَّارةٌ بالسُّوءِ؛ لأَنَّها خُلِقَتْ فِي الأصلِ جاهلةً ظالمةً؛ إِلاَّ مِن رحمةِ اللهِ، والعَدْلُ والعلمُ طارئٌ عَلَيْهَا بإلهامِ رِّبها وفاطرِها لَهَا ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يُلْهِمْهَا رُشْدَها بَقِيَتْ عَلَى ظُلْمِها وجَهْلِها، فلم تَكُنْ أَمَّارةً إِلاَّ بموجِبِ الجهلِ والظُلْمِ، فلولا فضْلُ اللهِ ورحمتُه عَلَى المؤمنينَ مَا زَكَتْ منهُم نفسٌ واحدةٌ.