فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 54

فَإِذَا أرادَ اللهُ سبحانَه بِهَا خيرًا جعلَ فِيهَا مَا تزكو بِهِ وتصلُحُ: مِنَ الإراداتِ والتصوُّراتِ وإذا لَمْ يُرِدْ بِهَا ذَلِكَ تَرَكَها عَلَى حالِها التي خُلِقَتْ عَلَيْهَا مِن الجهلِ والظُّلْمِ.

وسببُ الظُّلْمِ: إِمَّا جَهْلٌ وإِمَّا حاجة.

وهي فِي الأصْلِ جاهلةٌ، والحاجةُ لازمةٌ لَهَا، فلذلك كَانَ أَمْرُهَا بالسُّوءِ لازمًا لَهَا إِنْ لَمْ تُدْرِكْهَا رحمةُ اللهِ وفَضْلُه.

وبهذا يُعْلَمُ أَنَّ ضرورةَ العبدِ إِلَى ربِّهِ فوقَ كلِّ ضرورةٍ، وَلاَ تُشبِهُها ضرورةٌ تُقاسُ بِهَا؛ فإِنَّهُ إِنْ أَمْسَكَ عَنْهُ رَحْمَتَهُ وتوفيقَهُ وهِدايتَه طرفةَ عينٍ خَسِرَ وهَلَكَ.

قَالَ الله تَعَالَى: (( إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنصُرُكُمْ مِن بَعْدِهِ ) ) [آل عمران: 160] .

وأصلُ الخذلان: التركُ والتخْلية. ويقال للبقرة والشاة إِذَا تخلّفت مَعَ ولدها فِي المرعى وتَرَكت صواحباتها: خَذول.

والخذلانُ: أَنْ يخلّي الله تَعَالَى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها، والتوفيقُ ضدُّه أَنْ لاَ يدعَه ونفسَهُ وَلاَ يكله إِلَيْهَا؛ بل يصنع لَهُ ويلطف بِهِ ويعينهُ ويدفع عَنْهُ ويكلؤه، كلاءةَ الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه، فمن خُلي بينه وبين نفسه فَقَدْ هلك كلّ الهلاك.

فالعبد مطروح بين الله وبين عدوّه إبليس، فإن تولاه الله لَمْ يظفر بِهِ عدّوه، وإن خذله وأعرض عَنْهُ افترسه الشيطان كَمَا يفترسُ الذئبُ الشاةَ.

فإن قِيلَ: فَمَا ذنب الشاة إِذَا خَلَّى الراعي بين الذئب وبينها، وهل يمكنها أَنْ تقوى عَلَى الذئب وتنجو منه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت