وعلمِهِ بنفسِهِ ووقوفِهِ عَلَى حدِّها وقَدْرِهَا ونقصِها وظلمِها وجهلِها، وأَنَّها لاَ خيرَ فِيهَا البتّةَ، وَلاَ لَهَا وَلاَ بِهَا وَلاَ مِنْهَا، وأَنَّها لَيْسَ لَهَا مَنْ ذاتِها إِلاَّ العدمُ، فكذلكَ مِن صفاتِها وكمالها لَيْسَ لَهَا إِلاَّ العدمُ الَّذِي لاَ شيءَ أَحقرُ وَلاَ أَنقصُ، فما فِيهَا مِنَ الخيرِ تابعٌ لوجودِها الَّذِي لَيْسَ إِلَيْهَا وَلاَ بِهَا.
فَإِذَا صارَ هذانِ العِلمانِ صبغةً لَهَا -لاَ صيغةٌ عَلَى لسانِها!- عَلِمَتْ حينئذٍ أَنَّ الحمدَ كلَّه للهِ، والأَمرَ كلَّه له، والخيرَ كلَّه فِي يديهِ، وأَنَّه هُوَ المستحقُّ للحمدِ والثناءِ والمدحِ دونَها، وأَنّها هِيَ أَوْلَى بالذمِّ والعيبِ واللّومِ.
ومنْ فاتَه التحقُّقُ بهذين العِلمينِ تلوّنتْ بِهِ أَقوالُهُ وأَعمالُهُ وأَحوالُهُ، وتخبَّطتْ عَلَيهِ، ولم يهتدِ إِلَى الصراطِ المستقيمِ الموصلِ له إِلَى اللهِ، فإِيصالُ العبدِ بتحقيقِ هاتين المعرفتين علمًا وحالًا، وانقطاعُهُ بفواتِهما.
وهذا معنى قولِهم: مَنْ عَرَفَ نفسَه عَرَفَ ربَّه؛ فإِنّه مَنْ عرفَ نفسَه بالجهلِ والظلمِ والعيبِ والنقائصِ الحاجةِ والفقرِ والذُّلِّ والمسكنةِ والعدمِ عَرَفَ ربَّه بضدّ ذَلِكَ، فوقفَ بنفسِهِ عِنْدَ قَدْرِهَا، ولم يتعدَّ بِهَا طورَها، وأَثنى عَلَى ربِّهِ ببعضِ مَا هُوَ أَهلُهُ، وانصرفتْ قوّةُ حبِّهِ وخشيتِه ورجائِهِ وإِنابتِهِ وتوكُّلِهِ إِلَيْهِ وحدَه، وكانَ أَحبَّ شيءٍ إِلَيْهِ، وأَخوفَ شيءٍ عندَه، وأَرجاهُ لَهُ، وهذا هُوَ حقيقةُ العبوديّةِ.
واللهُ المُستعانُ
ارجعْ إِلَى اللهِ واطلبْهُ منْ عينكَ وسمعِكَ وقلبِكَ ولسانِكَ، وَلاَ تشرُدْ عَنْهُ مِن هَذِهِ الأَربعةِ، فَمَا رجعَ مَن رجعَ إِلَيْهِ بتوفيقِهِ إِلاَّ مِنْهَا، وما شَرَدَ مَا شَرَدَ عَنْهُ بخِذلانِهِ إِلاَّ مِنْهَا.