فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 54

إِذَا أَصبحَ العبدُ وأمسى -وليسَ همُّهُ إِلاَّ اللهَ وحدَه- تحمَّلَ اللهُ سبحانَه حوائجَه كلَّها، وحَمَلَ عَنْهُ كلَّ مَا أَهمَّهُ، وفرَّغَ قلبَه لمحبّتِهِ، ولسانهِ لذكرِهِ، وجوارحَهُ لطاعتِهِ، وإِنْ أَصبحَ وَأَمسى -والدُّنيا همُّهُ- حمَّلَه اللهُ همومَها وغمومَها وأَنكادَها، ووكَلَه إِلَى نفسِهِ، فشغلَ قلبَه عن محبَّتِهِ بمحبّةِ الخلقِ، ولسانَه عن ذكرِهِ بذكرِهم، وجوارحَه عن طاعتِهِ بخدمتِهم وأَشغالِهم، فَهُوَ يكدحُ كدحَ الوحشِ فِي خدمةِ غيرِهِ، كالكيرِ ينفخُ بطنَة ويعصرُ أَضلاعَه فِي نفعِ غيرِهِ!

لاَ ينتفعُ بنعمةِ اللهِ بالإِيمانِ والعلمِ إِلاَّ مَنْ عرفَ نفسَه ووقفَ بِهَا عند قَدْرِها، ولم يتجاوز إِلَى مَا لَيْسَ له، ولم يتعدَّ طَورَهُ، ولم يقل: هَذَا لي! وتيقَّنَ أَنَّهُ للهِ ومن اللهِ وباللهِ، فَهُوَ المانُّ بِهِ ابتداءً وإِدامةً بلا سببٍ مِنَ العبدِ وَلاَ استحقاقٍ منه، فتُذِلُّهُ نِعَمُ اللهِ عَلَيهِ وتكسرُهُ كسرةَ مَنْ لاَ يرى لنفسِهِ وَلاَ فِيهَا خيرًا البتّة، وأَنَّ الخيرَ الَّذِي وصلَ إِلَيْهِ فَهُوَ للهِ وبِهِ ومنه، فتُحْدِثُ له النِّعمُ ذُلاًّ وانكسارًا عجيبًا لاَ يُعبّرُ عنه، فكلّما جَدَّدَ له نعمةً ازدادَ له ذُلاًّ وانكسارًا وخشوعًا ومحبّةً وخوفًا ورجاءً.

وهذا نتيجةُ عِلمين شريفين:

عِلمِهِ بربّهِ وكمالِهِ وبرِّهِ وغناه وجُودِهِ وإِحسانِهِ ورحمتِهِ، وأَنَّ الخيرَ كلَّه فِي يديه، وَهُوَ مُلْكُهُ يؤتي منه مَنْ شاءَ، ويمنعُ منه مَنْ يشاءُ، وله الحمدُ عَلَى هَذَا وهذا، أَكملُ حمدٍ وأَتمُّهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت