مَنْ اشتغلَ باللهِ عن نفسِهِ كفاهُ اللهُ مؤونةَ نفسهِ، ومَن اشتغلَ باللهِ عن النَّاسِ كفاهُ اللهُ مؤونةَ النَّاسِ، ومَن اشتغلَ بنفسِهِ عن اللهِ وكَلَه اللهُ إِلَى نفسِهِ، ومن اشتغلَ بالنَّاسِ عن اللهِ وكَلَه اللهُ إِليهم.
أَركانُ الكفرِ أَربعةٌ: الكبرُ والحسدُ والغضبُ والشّهوةُ:
فالكبرُ: يمنعُهُ الانقيادَ.
والحسدُ: يمنعُهُ قبولَ النَّصيحةِ وبذلَها.
والغضبُ: يمنعُه العدلَ.
والشهوةُ: تمنعُه التفرُّغَ للعبادةِ.
فَإِذَا انْهدمَ ركنُ الكبرِ سَهُلَ عَلَيهِ الانقيادُ، وإِذا انْهدمَ ركنُ الحسدِ سَهُلَ عَلَيهِ قَبولُ النُّصحِ وبذلُهُ، وإِذا انْهدمَ ركنُ الغضبِ سَهُلَ عَلَيهِ العدلُ والتواضعُ، وإِذا انْهدمَ ركنُ الشهوةِ سَهُلَ عَلَيهِ الصبرُ والعفافُ والعبادةُ.
وزوالُ الجبالِ عن أَماكنِها أَيسرُ مِن زَوالِ هذه الأَربعةِ عَمَّنْ بُلِيَ بِهَا، وَلاَ سيّما إِذَا صارتْ هيئاتٍ راسخةً ومَلَكاتٍ وصفاتٍ ثابتةً؛ فإِنه لاَ يستقيمُ له معها عملٌ البتّةَ، وَلاَ تزكو نفسُه مَعَ قيامِها بِهَا، وكلّما اجتهدَ فِي العملِ أَفسدتْه عَلَيهِ هذه الأَربعةُ.
ومنشأُ هذه الأَربعةِ مِنْ جهلِهِ بربِّهِ وجهلِهِ بنفسِهِ، فإِنّهُ لَوْ عرفَ ربَّه بصفاتِ الكمالِ ونعوتِ الجلالِ، وعرفَ نفسَه بالنّقائصِ والآفاتِ لَمْ يَتكبَّرْ ولم يغضبْ لَهَا ولم يحسدْ أَحدًا عَلَى مَا آتاهُ اللهُ؛ فإِنَّ الحسدَ فِي الحقيقةِ نوعٌ مِنْ معاداةِ اللهِ؛ فإِنّه يكرهُ نعمةَ اللهِ عَلَى عبدِهِ وَقَدْ أَحبَّها اللهُ، ويحبُّ زوالَها عَنْهُ واللهُ يكرهُ ذَلِكَ، فَهُوَ مضادٌّ للهِ فِي قضائِهِ ومحبَّتِهِ وكراهتِهِ، ولذلكَ كَانَ إِبليسُ عدوَّه حقيقةً؛ لأَنَّ ذنبَه كَانَ عن كِبْرٍ وحسدٍ.