فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 54

وَقَدْ أَجْمَعَ العارفونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ خيرٍ فأَصْلُه توفيقُ اللهِ للعبدِ، وكلَّ شَرٍّ فأَصلُه خِذلانُهُ لعبدِهِ.

وأَجمعوا أَنَّ التوفيقَ أَنْ لاَ يَكِلَكَ اللهُ إِلَى نَفسِكَ، وَأَنَّ الخِذْلاَنَ هُوَ أَنْ يُخْلِيَ بينَكَ وبينَ نفسِكَ، فإِذا كَانَ كلُّ خيرٍ فأَصلُهُ التوفيقُ -وَهُوَ بيدِ اللهِ لاَ بيدِ العبدِ-: فمِفتاحُه الدُّعاءُ والافتقارُ وصدقُ اللجَأِ والرَّغبةُ والرَّهبةُ إِلَيْهِ، فَمَتَى أَعْطَى العبدَ هَذَا المفتاحَ فَقَدْ أَرَادَ أَنْ يفتحَ له، وَمَتَى أَضَلَّه عن المِفتاحِ بقي بابُ الخيرِ مُرْتَجًا دونَه.

قَالَ أَميرُ المؤمنين عمر بن الخطّابِ:"إِنّي لاَ أَحْملُ همَّ الإِجَابةِ، ولكن همَّ الدّعاءِ، فَإِذَا أُلهِمتُ الدُّعاءَ فَإِنَّ الإِجَابَةَ معه".

مَاذَا يملِكُ مِنْ أَمرِه مَنْ ناصيتهُ بيدِ اللهِ ونفسُه بيدِه، وقلبُه بينَ إِصبعين مَنْ أَصابِعه يقلِّبُه كَيْفَ يشاءُ، وحياتُه بيدِه، وموتُه بيدِه، وسعادتُه بيدِه، وشقاوتُه بيدِه، وحركاتُه وسكَناتُه وَأَقوالُه وأَفعالُه بِإِذنِه ومشيئتِه، فلا يتحرّكُ إِلاَّ بِإِذنِه، وَلاَ يفعلُ إِلاَّ بمشيئتِهِ؟!

إِنْ وكَلَه إِلَى نفسِه وكَلَه إِلَى عجزٍ وضيعةٍ وتفريطٍ وذنبٍ وخطيئةٍ.

وإِنْ وَكَلَه إِلَى غيرِه وَكَلَه إِلَى مَنْ لاَ يملكُ له ضرًّا وَلاَ نفعًا وَلاَ موتًا وَلاَ حياةً وَلاَ نُشورًا.

وإِنْ تخلّى عنه استولى عَلَيهِ عدوُّه وجعلَه أَسيرًا له.

فَهُوَ لاَ غِنى له عَنْهُ طرفةَ عينٍ؛ بل هُوَ مضطرٌّ إِلَيْهِ عَلَى مدى الأَنفاسِ فِي كلِّ ذَرّةٍ مِنْ ذرّاتِه باطنًا وظاهرًا، فاقتُه تامّةٌ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ متخلِّفٌ عَنْهُ مُعْرِضٌ عَنْهُ، يتبغّضُ إِلَيْهِ بمعصيتِه، مَعَ شدَّةِ الضرورةِ إِلَيْهِ مِنْ كلِّ وجهٍ، قَدْ صارَ لذكرِه نَسيًّا، واتّخذَه وراءهُ ظِهريًّا، هَذَا وَإِليْهِ مرجعُه، وبينَ يديه موقفُه!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت