وبكلّ حال فَلاَ يقوى العبد عَلَى نفسه إِلاَّ بتوفيق اللهإياه وتولّيه لَهُ. فمن عصمه الله وحفظه تولاه ووقاه شحّ نفسه وشرّها وقوّاه عَلَى مجاهدتها ومعاداتها، ومن وكله إِلَى نفسه غلبته وقهرته وأسرته وجرته إِلَى مَا هُوَ عين هلاكه وَهُوَ لاَ يقدر عَلَى الامتناع كَمَا يصنع العدوّ الكافر إِذَا ظفر بعدوّه المسلم، بل شر مِن ذَلِكَ، فإن المسلم إِذَا قتله عدوّه الكافر كَانَ شهيدًا وأمّا النَّفْس إِذَا تمكّنت مِن صاحبها قتلته قتلًا يهلك بِهِ فِي الدُّنْيَا والآخرة.
ولهذا كَانَ مِن أهم مَا سئل العبد ربّه أَنْ لاَ يكله إِلَى نفسه طرفة عين.
يَا ربّ هيء لنا مِن أمرنا رشدًا * واجعل معونتك العظمى لنا مددا
وَلاَ تكلنا إِلَى تدبير أنفسنا * فالعبد يعجز عن إصلاح مَا فسدا
مَنْ عَرَفَ نفسَه اشتغلَ بِإصلاحِها عن عيوبِ النَّاس.
مَنْ عَرَفَ ربَّهُ اشتغلَ بِهِ عن هَوىَ نفسِهِ.
أَنفعُ العَمَلِ أَنْ تغيبَ فيه عن النَّاسِ بالإِخلاصِ، وعن نفسِكَ بشهودِ المِنَّةِ، فلا تَرَى فيه نفسَكَ، وَلاَ تَرَى الخَلْقَ.
أَخسرُ النَّاسِ صفقةً مَنِ اشتغلَ عن اللهِ بنفسِهِ، بل أَخسرُ منهُ مَنِ اشتغلَ عن نفسِهِ بالنَّاسِ.
طوبى لمن شغله عيبُهُ عن عيوبِ النَّاسِ وويلٌ لمن نسيَ عيبهُ وتفرَّغ لعيوب النَّاسِ.
هَذَا مِن علامةِ الشقاوةِ، كَمَا أَنَّ الأَوّلَ مِن أماراتِ السَّعادةِ.
لاَ يُسيء الظنّ بنفسه إِلاَّ مَنْ عرفها، ومن أحسنَ ظنّه بنفسه فَهُوَ مِن أجهل النَّاس بنفسِهِ.
أَساسُ كُلِّ خيرٍ أَنْ تعلمَ أَنَّ مَا شاءَ اللهُ كَانَ، وما لَمْ يشأْ لَمْ يكُنْ، فَتَيَقَّنَ حينئذٍ أَنَّ الحسناتِ مَنْ نِعَمِهِ فتشكرَه عَلَيْهَا، وتتضرّعَ إِلَيْهِ أَنْ لاَ يقطعَها عَنْكَ، وَأَنَّ السيّئاتِ مِنْ خِذلانِهِ وعقوبتِهِ، فتبتهلَ إِلَيْهِ أَنْ يحُولَ بَيْنَكَ وبينها، وَلاَ يَكِلَك فِي فعلِ الحسناتِ وَتَرْكِ السيّئاتِ إِلَى نفسِك.