فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 54

فَإِذَا أَرَادَ اللهُ بعبدِهِ خيرًا أَشهدَه مِنَّتَه وتوفيقَه وإِعانتَه لَهُ فِي كلِّ مَا يقولُهُ ويفعلُهُ، فلا يعجبُ بِهِ، ثمَّ أَشهدَهُ تقصيرَه فيه وأَنَّه لاَ يرضى لربِّهِ بِهِ فيتوبُ إِلَيْهِ ويستغفرهُ، ويستحيي أَنْ يطلبَ عَلَيهِ أَجرًا، وإِذا لَمْ يُشْهِدْهُ ذَلِكَ وغيَّبَه عَنْهُ فرأى نفسَه فِي العملِ، ورآهُ بعينِ الكمالِ والرِّضا؛ لَمْ يقعْ ذَلِكَ العملُ منه موقعَ القَبولِ والرِّضا والمحبّةِ.

فالعارفُ يعملُ العملَ لوجهِهِ مشاهداَ فيه مِنَّتَه وفضلَه وتوفيقَه، معتذرًا منه إِلَيْهِ، مستحييًا منه إِذَا لَمْ يُوَفِّهِ حقَّه، والجاهلُ يعملُ العملَ لحظِّهِ وهواهُ ناظرًا فيه إِلَى نفسِهِ، يمنُّ بِهِ عَلَى ربِّهِ، راضيًا بعملِهِ.

فهذا لونٌ، وذاكَ لونٌ آخرُ.

كيفَ الفَلاَحُ بينَ إِيمانٍ ناقصِ، وأَملٍ زائدٍ، ومرضٍ لاَ طبيبَ لَهُ وَلاَ عائدَ، وهوىً مستيقظٍ، وعقلٍ راقدٍ، ساهيًا فِي غمرتِهِ، عَمِهًا فِي سَكْرتِهِ، سابحًا فِي لُجّةِ جهلِهِ، مستوحشًا مِن ربِّهِ، مستأنسًا بخلقِهِ، ذِكْرُ النَّاسِ فاكهتُهُ وقُوْتُهُ، وذِكْرُ اللهِ حبسُهُ ومَوْتُهُ، للهِ منه جزءٌ يسيرٌ مِن ظاهرِهِ، وقلبُهُ ويقينُهُ لغيرِهِ؟!

لاَ يُكْرِمُ العبدُ نفسَه بمثلِ إِهانتِها، وَلاَ يُعِزُّها بمثلِ ذلِّها، وَلاَ يُريحها بمثلِ تعبِها؛ كَمَا قيلَ:

سأُتعبُ نفسي أَوْ أُصادِفَ راحةً* فإِنَّ هوانَ النَّفْسِ فِي كَرَم النَّفْسِ

وَلاَ يُشْبِعُهَا بمثلِ جوعِها، وَلاَ يُؤْمِنُها بمثلِ خوفِها، وَلاَ يُؤْنِسُها بمثلِ وَحْشَتِها مِن كلِّ مَا سوى فاطرِها وبارئِها، وَلاَ يُحييها بمثلِ إِماتتِها، كَمَا قيلَ:

مَوتُ النّفوسِ حياتُها * مَنْ شاءَ أَنْ يحيا يموت

يَا مُنْفِقًا بضاعةَ العمرِ فِي مخالفةِ حبيبِهِ والبعدِ عَنْهُ! لَيْسَ فِي أَعدائِكَ أَضرُّ عليكَ مِنْكَ.

مَا تبلغُ الأَعداءُ مِنْ جاهلٍ * مَا يبلغُ الجاهلُ مِن نفسِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت