فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 54

وقال تَعَالَى: (( أَوَلَمَّا أَصابتْكُمْ مُصيبةٌ قَدْ أَصبتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هَذَا قُل هُوَ مِن عِندِ أَنفُسِكُم ) ) [آل عمران: 165] .

وقال: (( وَمَا أَصابَكم مَنْ مصيبةٍ فبما كَسَبَتْ أَيديكُم ويعفو عَنْ كَثيرٍ ) ) [الشورى: 30] ، وقال تَعَالَى: (( ذَلِكَ بأنَّ الله لَمْ يَكُ مغيِّرًا نعمةً أَنعمَها عَلَى قومٍ حتّى يُغَيِّرُوا مَا بأَنفسِهم ) ) [الأَنفال: 53] . وقال تَعَالَى: (( إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بقومٍ حتّى يُغَيّروا مَا بأنفسِهم ) ) [الرعد: 11] .

فأخبرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لاَ يُغَيِّرُ نعمَتَهُ الَّتِي أنعمَ بِهَا عَلَى أحدِ حتّى يكونَ هُوَ الَّذِي يُغَيِّرُ مَا بنفسهِ، فيغيِّرُ طاعةَ اللهِ بمعصيتِهِ، وشكرَهُ بكفرهِ، وأسبابَ رضاهُ بأسبابِ سخطِهِ، فَإِذَا غيَّرَ غُيِّرَ عليه، جزاءً وِفاقًا، وَمَا ربُّكَ بِظلاَّمٍ للعبيدِ.

فإنْ غيَّرَ المعصيةَ بالطّاعةِ غيَّرَ اللهُ عَلَيهِ العقوبةَ بالعافيةِ، والذلَّ بالعزِّ.

ولقد أحسنَ القائلُ:

إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا * فَإِنَّ المَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ

وَحُطْهَا بطَاعَةِ رَبِّ العِبَادِ * فَرَبُّ العِبَادِ سَرِيعُ النِّقَمْ

فليسَ لِلنِّعمِ أَعدى مَنْ نفسِ العبدِ، فَهُوَ مَعَ عدوِّهِ ظهيرٌ عَلَى نفسِهِ، فعدوُّهُ يطرحُ النَّارَ فِي نعمِهِ وَهُوَ ينفخُ بِهَا، فَهُوَ الَّذِي مَكَّنَه مِن طرحِ النَّارِ، ثمَّ أَعانَه بالنّفخِ، فَإِذَا اشتدَّ ضِرامُها استغاثَ مِن الحريقِ، وكانَ غايتُهُ معاتبةَ الأَقدارِ:

وعاجزُ الرّأيِ مِضياعٌ لفُرصتِهِ * حتّى إِذَا فاتَ أَمرٌ عاتبَ القَدَرا

من عرف حقيقة نفسه، وأنَّ حدّها: الجاهلةُ الظالمةُ، طبعها الكسلُ وإيثارُ الشّهوات، والبطالةِ. علم أنّها مَنْبَع كلّ شرٍّ، ومأوى كلِّ سوء، وأساسُ كلِّ نقصٍ، وما كَانَ هكذا لَمْ يصدر منه خيرٌ، وَلاَ هُوَ مِن شأنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت