والمعنى: قَدْ أفلح مَنْ كَبَّرَهَا وأعلاها بطاعةِ اللهِ وأظهرهَا، وَقَدْ خسرَ من أخفاها وحقَّرها وصغَّرها بمعصيةِ اللهِ.
وأصلُ التدسيةِ: الإِخفاءُ، ومنه قولهُ تَعَالَى: (( أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ ) ) [النحل: 59] ؛ فالعاصي يدسُّ نفسَهُ فِي المعصيةِ، ويُخفي مكانَها، يتوارى مِنَ الخلقِ مِنْ سوءِ مَا يأتي بِهِ، قَدْ انقمعَ عِنْدَ نفسهِ، وانقمعَ عندَ اللهِ، وانقمعَ عِنْدَ الخلقِ؛ فالطّاعةُ والبِرُّ تُكبِّر النّفسَ وتُعِزُّها وتُعليها، حتّى تصيرَ أشرفَ شيءٍ وأكبَرَهُ وأزكاهُ وأعلاهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ أذلُّ شيءٍ وأحقرُهُ وأصغرهُ للهِ تَعَالَى، وبهذا الذلِّ حصلَ لَهَا هَذَا العزُّ والشرفُ والنّموُّ، فَمَا صغَّرَ النفوسَ مثلُ معصيةِ اللهِ، وَمَا كبَّرها وشرفَّها ورفعها مثلُ طاعةِ اللهِ.
قَالَ تَعَالَى: (( والذينَ جاهدُوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنَا ) ) [العنكبوت: 69] .
علَّقَ سُبْحَانَهُ الهدايةَ بالجهادِ؛ فأَكملُ النَّاسِ هدايةً أَعظمُهم جهادًا.
وأَفرضُ الجهادِ جهادُ النَّفسِ وجهادُ الهوى، وجهادُ الشيطانِ وجهادُ الدُّنْيَا، فَمَنْ جاهدَ هذه الأَربعةَ فِي اللهِ هداهُ اللهُ سُبُلَ رضاه الموصلةَ إِلَى جنّتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ الجهادَ فاتَهُ مَنْ الهدى بحسبِ مَا عطَّلَ مَنْ الجهادِ.
وَلاَ يتمكّنُ مِن جهادِ عدوِّه فِي الظّاهرِ إِلاَّ مَنْ جاهدَ هذه الأَعداء باطنًا، فَمَنْ نُصِرَ عَلَيْهَا نُصِرَ عَلَى عدوِّهِ، وَمن نُصِرَتْ عَلَيهِ نُصِرَ عَلَيهِ عدوُّهُ.
النَّفسُ جاهلةٌ ظالمةٌ، وهي منشأُ كلِّ شرٍّ يحصلُ للعبدِ، لا يحصلُ له شرٌّ إِلاَّ مِنْهَا؛ قَالَ تَعَالَى: (( مَا أَصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سيِّئةٍ فَمِنْ نَّفسِكَ ) ) [النساء: 79] .