وظل الملوك الذين حكموا الجزيرة بعد خروج العرب وانتهاء الدور الإسلامي فيها يسكّون النقود الإسبانية بحروف عربية، ويزينون ملابسهم بالخطوط العربية المذهبة والمطرّزة، مع أن الواقع يفرض عليهم أن ينهوا كل ما يشير إلى الوجود العربي والإسلامي في الجزيرة بعد انتصاراتهم على ملوك الطوائف وغياب شمس الإسلام، لكن الواقع المعاش يومذاك والحضارة التي تركها العرب لم تكن بالأمر الهيّن الذي يتنكّر له الملوك والعامة من غير المسلمين، فهم قد طردوا عنصرًا عربيًا، وطردوا دينًا يختلف عن طقوس دينهم، ولكنهم احتضنوا حضارة راحوا يعتزون بها ويفخرون، ويورثون هذه الحضارة لأولادهم وأحفادهم إلى الآن، فهم يعتبرونها أماكن أثرية إسبانية، كما يعتز العرب الآن في الآثار الرومانية التي خلفها الرومان يوم كانوا يسيطرون على بلاد الشام قبل الفتح الإسلامي.
إن الخط العربي في الأندلس لا يزال رغم مرور أكثر من ألف عام يحكي قصة الفن والإبداع العربي والإسلامي الذي توصّل إليه الخطاط والفنان المسلم في الأندلس حين وجد البيئة المناسبة للإبداع والنبوغ، وحين كان التقدم والعطاء المستمر ديدن كل مبدع، مما يجعلنا حين نقف على ما خلّفه العرب في الأندلس من آثار رائعة نقول: من هنا مرّت الحضارة العربية الإسلامية، ومن هناك عبرت الحضارة الإسلامية إلى أوربا. وفي هذه الأرض المعطاء انتعشت البذور الغضة التي زرعها المفكرون العرب قبل دخولهم إليها وبعده.
الخط العربي (42)
7-الخط العربي
في العصر الفاطمي
اعتنى الفاطميون في مصر بالخط العربي عناية كبيرة، قد كتبوه على المآذن والقباب والأروقة وقصور الخلفاء، وأضرحة العلماء، وزيّنوا به واجهات الحمامات والمكتبات العامة ومضامير الخيل وواجهات السجون، والأماكن العامة، وظهر في مصر الخط الفاطمي، والخط الكوفي الفاطمي، وامتاز كل منهما بهوية خاصة، اختلفا عن غيرهما من الخطوط الأخرى.