لاشك أن مصر ازدهرت خلال العصر الفاطمي ثقافيًا، وانتعش الكتاب صناعة وزخرفة وتجليدًا وتذهيبًا وتسويقًا. بل إن المبدعين استطاعوا خلال العصر الفاطمي أن يخترعوا قلم الحبر السائل الذي امتاز بخزّان صغير للحبر وله ريشة، وهو لا يختلف عن أقلام الحبر السائل الحديثة، وقدّم مخترعه هذا القلم للخليفة الفاطمي هدية، لكنه لم يعممه ولم يصنع منه أقلامًا أخرى ويبيعها لسائر الناس، لأن المجتمع المصري كان يحفل بأنواع مختلفة من أقلام الخط الدقيقة الصنع؛ التي تبلغ ريشتها جزء من عشرة من السنتيمتر الواحد، والتي خطّوا بها مصاحف صغيرة جدًا توضع في الجيب، أو ربما تعلق بالحلق.
استمرت فترة الخلافة الفاطمية أكثر من مائتي سنة (359-566هـ) وكان عصر المعز لدين الله الفاطمي عصرًا ذهبيًا لهذه الفترة، وهو الذي كتب بقلم الحبر السائل.
ولا تزال قصور الخلفاء والأمراء الفاطميين تحكي قصة الفن الذي توصل له الخطاط والنقاش والنحّات في ذلك العصر، بل إن المآذن التي أقيمت خلال تلك الفترة تعتبر اليوم من روائع البناء الإسلامي. (وكان منطلق الخط في مصر"ديوان الإنشاء"وكان لا يرأس هذا الديوان إلاّ أجلّ كتاب البلاغة، ويلقب بـ"كاتب الدست الشريف") ( ) .
وكان المحمل الذي يتقدم قوافل الحجيج المصريين- والفاطميون من أوائل من ابتدع المحمل الشريف- حيث كان يزدان بالخطوط الذهبية الرائعة، والزخارف الإسلامية الجميلة، بحيث أن من يقود ذلك الجمل يزداد شرفًا، ويحمل لقبًا، ويورث ذلك لأحفاده من بعده.
وقبيل انهيار الدولة الفاطمية واستلام الناصر صلاح الدين مقاليد الأمور في مصر، تبعثرت المكتبات الكبرى فيها ونتيجة للتعصب المذهبي.. فقد تحدث المقريزي في خططه عن المكتبات الفاطمية الكبرى التي ذهبت أدراج الرياح بعد استيلاء صلاح الدين على السلطة في القاهرة، وأن الكتب شكّلت أكوامًا خارج المدينة، وأن الغلافات الثمينة استعملها الجنود الأتراك أحذية لهم ( ) .