سار الخط العربي في رحلة حياته مسيرة طويلة، فقد نشأ نشأة عادية وبسيطة، ثم تطور مع تطور الحياة. وإذا ما حاولنا دراسة هذه الرحلة تبين لنا أن مسيرته قبل الإسلام كانت بطيئة جدًا بينما نجده يقفز قفزات سريعة بعد الإسلام ويصل إلى درجة الإبداع، حيث تناوله الخطاطون بالتحسين والتزويق، وأضفوا عليه من إبداعهم جماليات لم تخطر على بال فنان سابق، لِما صبُّوا في الحرف العربي من قواعد ثابتة، وأصول يجب على الخطاط أن يلتزم بها ليكون خطاطًا ناجحًا.
وقد استطاع الخطاط العربي أن يبتكر خطوطًا جديدة من خطوط أخرى فهذا ابن مقلة يبتكر خط الثلث، لقد اشتقه من خطّي الجليل والطومار، وسمّاه في أول الأمر (خط البديع) ( ) وقد استطاع أن يحسّنه ويجوّده حتى فاق فيه غيره، واشتهر بنيل قصب السبق فيه إلى عصرنا هذا، ولم يتجرّأ خطّاط أن يتقدمه، فاعتبره الخطاطون فيما بعد مهندسًا للحروف العربية، لأنه قدّر مقاييسها وأبعادها بالنقط، فلكل حرف أبعاده الثابتة، ولكل بُعد نقطه المحدّدة التي لا يجوز تجاوزها.
ثم جاء ابن البواب فزاده جودة وجمالًا، وأسبغ عليه من ذوقه.
واستطاع الخطاط التركي ممتاز بك أن يبتكر خط الرقعة من الخط (الديواني) وخط (سياقت) حيث كان خط الرقعة خليطًا بينهما.
وقام الخطاط مير علي سلطان بتطوير وتحسين خط الإجازة.
وبرع الخطاط عثمان في الخط الديواني وفاق مبتكريه أيام السلطان محمد الفاتح.
وهكذا استمرت رحلة الخط جودة وتطويرًا، وابتكارًا حتى كان الخط الحديث الذي ظهرت له الآن نماذج كثيرة خالية من القواعد والضوابط.