فهرس الكتاب
الهمة في طلب العلم والرحلة إليه
لقد قام علماؤنا الأجلاء الأوائل بجهود جبارة وعظيمة لخدمة هذا الدين العظيم والذب عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأن السنة هي المصدر مع القرآن للتشريع الإسلامي، والتي هي موضحة للقرآن ومفسرة له ومخصصة ومقيدة، فمنها يستمد الفقهاء الأحكام الشرعية كما يستمدون الأحكام الشرعية من القرآن الكريم.
ومن تيسير الله سبحانه وتعالى وتوفيقه لهذه الأمة، أن كرس كثير من العلماء حياتهم لخدمة هذا العلم الشريف، وبذلوا من أجله جهد طاقتهم وكل ما في وسعهم، فتجشموا قطع المسافات الشاسعة بما في ذلك من تعب ونصب وعذاب باحثين عن العلم وعن أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - متتبعين أسانيدها.
ولا يبتغون من ذلك مكسب دنيوي، فالدنيا لم تكن في حسابهم يوماً من الأيام، وإنما كان هدفهم امتثال أمر الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} التوبة ... (122) .
فقد استدل الإمام حماد بن سلمة بهذه الآية على الرحلة في طلب العلم. فعن محمد بن وزير الواسطي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول لحماد بن زيد يا أبا إسماعيل هل ذكر الله تعالى أصحاب الحديث في القرآن فقال نعم ألم تسمع إلى قوله عز وجل: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} ، فهذا في كل من رحل في طلب العلم والفقه ورجع به إلى من وراءه فعلمه إياه. اهـ. الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي (1/ 87) . قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ما أفلح في العلم إلا من طلبه في القلة، ولقد كنت أطلب