فهرس الكتاب
، قال: لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم وأنا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتل القوم فيكون هلاكهم على يدي، قال قلت: لن يظهر مني ذلك فاستأمرهم، فأتاهم فقال غلام عندي يتيم فأحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم، قالوا إن كنت تثق به قال أرجو أن لا يجيء منه إلا ما أحب قالوا فجيء به، فقال لي: لقد استأذنت في أن تجيء معي فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها فاتني ولا يعلم بك أحد فإن أبي إن علم بهم قتلهم، قال فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته فصعدنا الجبل فانتهينا إليهم فإذا هم في برطيلهم، قال علي وأراه قال وهم ستة أو سبعة، قال وكان الروح قد خرج منهم من العبادة يصومون النهار ويقومون الليل ويأكلون عند السحر ما وجدوا، فقعدنا إليهم فأثنى الدهقان على حبر فتكلموا فحمدوا الله وأثنوا عليه وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى ذكر عيسى بن مريم عليهما السلام فقالوا بعث الله تعالى عيسى عليه السلام رسولا وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص والأعمى فكفر به قوم وتبعه قوم، وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه، قال وقالوا قبل ذلك يا غلام إن لك لربا وإن لك معادا وإن بين يديك جنة ونارا إليهما تصيرون وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله ما يصنعون وليسوا على دين، فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف وانصرفت معه ثم غدونا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن ولزمتهم فقالوا لي: يا سلمان إنك غلام وإنك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع فصل ونم وكل واشرب، قال فاطلع الملك على صنيع ابنه فركب في الخيل حتى أتاهم في برطيلهم فقال يا هؤلاء قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءا فعمدتم إلى ابني فأفسدتموه علي قد أجلتكم ثلاثا فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا فالحقوا ببلادكم فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء، قالوا نعم ما تعمدنا مساءتك ولا أردنا إلا الخير فكف ابنه عن إتيانهم، فقلت له اتق الله فإنك تعرف أن هذا الدين دين الله وأن أباك ونحن على غير دين إنما هم عبدة النار لا يعبدون الله فلا تبع آخرتك بدين غيرك، قال يا سلمان هو كما تقول وإنما أتخلف عن القوم بغيا عليهم إن تبعت القوم طلبني أبي في الجبل وقد خرج في إتياني إياهم حتى طردهم وقد أعرف أن الحق في أيديهم، فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه فقالوا يا سلمان قد كنا نحذر مكان ما رأيت فاتق الله تعالى واعلم أن الدين ما أوصيناك به وأن هؤلاء عبدة النيران لا يعرفون الله تعالى ولا يذكرونه فلا يخدعنك أحد عن دينك، قلت ما أنا بمفارقكم قالوا أنت لا تقدر أن تكون معنا نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل عند السحر ما أصبنا وأنت لا تستطيع ذلك، قال فقلت لا أفارقكم قالوا أنت أعلم وقد أعلمناك حالنا فإذا أتيت خذ مقدار حمل يكون معك شيء تأكله فإنك لا تستطيع ما نستطيع بحق قال ففعلت، ولقينا أخي فعرضت عليه ثم أتيتهم يمشون وأمشي معهم فرزق الله السلامة حتى قدمنا الموصل فأتينا بيعة بالموصل فلما دخلوا احتفوا بهم، وقالوا أين كنتم قالوا كنا في بلاد لا يذكرون الله تعالى فيها عبدة النيران وكنا نعبد الله فطردونا فقالوا ما هذا الغلام فطفقوا يثنون علي وقالوا صحبنا من تلك البلاد فلم نر منه إلا خيرا قال سلمان فوالله إنهم لكذلك إذا طلع عليهم رجل من كهف جبل، قال فجاء حتى سلم وجلس فحفوا به وعظموه أصحابي الذين كنت معهم وأحدقوا به، فقال أين كنتم فأخبروه فقال ما هذا الغلام معكم فأثنوا علي خيرا وأخبروه باتباعي إياهم ولم أر مثل إعظامهم إياه فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر من أرسل من رسله وأنبيائه وما لقوا وما صنع به وذكر مولد عيسى بن مريم عليه السلام وأنه ولد بغير ذكر فبعثه الله عز وجل رسولا وأحيى على يديه الموتى وأنه