فهرس الكتاب
الأكل والشرب، والقيل والقال، ثم يقلده الولد أو يلتمس أدنى من هذه الدرجة الرذيلة، وتفسيرها عندهما بالتوكل، فهذه نظرة جوفاء خالية من الفهم السليم، وصل بها صاحبها إلى غاية هي الترف، إذا كان ممن توفرت عنده المادة، وتهيأت له بعض الوسائل، وإذا كان من النوع الثاني، فقد استبدل بعز العمل ذل السؤال وهو أنه جعل يده السفلى مستكينة تحت أيدي المحسنين، وكانت صفته خفض الجناح للمسؤولين، والتأخر عن ركب الإنسانية الكريمة العاملة بما أصيب به تفكيره، وتقليده وطاعة نفسه الأمارة بالسوء من رواسب الآراء الخاطئة، التي أعاقته عن الحرية، وجعلته يعيش عالةً على غيره، ويعلق أمله بغير خالقه، ويخلد إلى العجز، قال الله تعالى: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة النحل، الآية 76] . فكسل الآباء وعجزهم، لا يقتصر ضرره عليهم بل يتعدى إلى ذريتهم كما قص الله عنهم في كتابه: {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [سورة الزخرف، الآية 23] . فكثير من الأمم الغابرة لم يهلكها إلا تقليد آبائها الخاطئ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» فالولد يقلد أباه بالاعتقاد والعمل ينطبع ذلك في قلبه في غضاضته وخلوه وقبوله لأول ناعق.
ومنه قول الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى