فهرس الكتاب
خامسًا: الموقف الشرعي من العولمة.
يرفض قطاع عريض من البشر العولمة كما سلف، ولكن رفضه من قبل المسلمين أشد، وليس ذلك للتصور الذي يحاول أن يرسمه بعض الغربيين، فبعض مثقفيهم نمى إلى علمه أن الله هو الذي يشرع لعباده في نظر المسلمين فقرر متوهمًا أنه"لا توجد، بالنسبة إلى المسلم سلطة تشريعية بشرية، اللَّه هو الوحيد مصدر القانون" [1] ، وردّد قوله هذا (لوي غارديه) فقال:"اللَّه هو الشارع بامتياز" [2] .
ولاشك أن المسلمين يؤمنون بأن التشريع من خصائص الربوبية (ألا له الخلق والأمر) [3] (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) [4] ، (ولا يشرك في حكمه أحدًا) [5] ،قال العلامة الشنقيطي رحمه الله:"ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أم كونية قدرية، من خصائص الربوبية .. كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربًا، وأشركه مع الله" [6] .
ولكن ما يغفل عنه هؤلاء هو أن المقصود بهذا كل تشريع يتعبد به الناس، ولهذا قال (من الدين) ، فكل ما شرعه الله دينًا لا تجوز مخالفته، وكل تشريع في الدين بغير دليل باطل يرد ولا يقبل (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [7] ، ولا يعني هذا المنع من وضع قوانين تنظم الأمور الدنيوية والحياتية وتحكم الوسائل وفقًا للشرع فيما سُكت عن النص عليه، فضلًا عن عد ذلك مصادمًا لتشريع الله كما قالت الكنيسة! ولكن يجب أن تكون تلك القوانين والنظم تحت إطار تلك التشريعات الربانية والموجهات العامة والخاصة، وهذا ما فهمه من أنزل عليهم الوحي، وخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا أشد هذه الأمة تمسكًا بما جاء به، ففي تاريخنا نجد أن أول من دون الدواوين، وجعلها على الطريقة الفارسية, لإحصاء الأعطيات وتوزيع المرتبات لأصحابها حسب سابقتهم في الإسلام، وأول من
(1) زاعمه هو (برنارد لويس) وهو كما يقول عنه فهمي هويدي:"صاحب الموقع المشهود في معسكر الخصوم الذين يتحدثون عن الأمة باحتقار وازدراء شديدين".
(2) الحياة الاجتماعية والسياسية في المدينة الإسلامية، مجلة المقاصد، العدد 12، ص 137.
(3) سورة الأعراف جزء من الآية: 54.
(4) سورة الشورى: 21.
(5) سورة الكهف جزء من الآية: 26.
(6) أضواء البيان 7/ 169.
(7) حديث عائشة وهو متفق عليه انظر البخاري 2/ 959، ومسلم 3/ 1343.