الصفحة 51 من 53

استحدث التأريخ الهجري، وأول من وضع وزارة للمالية (بيتًا للمال) ، هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فالشارع الحكيم وضع أحكامًا عامة وخاصة في كثير من الأمور الحياتية الدنيوية، وأوكل مهمة سن الآليات التنفيذية والقضايا التنظيمية إلى البشر، بحسب ما يتوفر لهم من وسائل قادتهم إليها مبتكرات عصرهم، ما لم تخالف الشرع، وفي صحيح مسلم عن عائشة وأنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) [1] .

فلم يمنع الإسلام فيما يتعلق بأمور الدنيا وتنظيم المعاش من سن تشريعات ليست من الدين ولكنها تنظم أمر المعاش، شريطة أن تكون خاضعة للتشريعات الإلهية العامة والخاصة لا تناقضها، تقود إلى العمل بها لا تعارضها.

وبناء على هذا، فالإسلام يرفض العولمة لكونها غير خاضعة لتشريعاته السمحة، التي جاءت لهداية البشرية وإرشادها للطريق الأقوم، وهذا يعني أن رفض الإسلام للعولمة معللًا لاعتقاد المسلمين أن تشريع الخالق العليم أحكم، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) [2] ، وليس هذا الرفض رفضًا مجردًا عن التعليل أو تقديم البديل، ولكنه رفض مع تبين الطريق الأرشد، كما أنه ليس رفضًا مطلقًا لكافة تفاصيل العولمة وآلياتها، ولكن لما خالفت فيه التشريعات الربانية، بحجة تحصيل المصلحة الشخصية أو المحدودة على حساب مصلحة الأمم والمجتمعات.

والحقيقة التي لابد من الاعتراف بها، أن للعولمة قوانينها ونظمها، وهذه القوانين والنظم لابد لها من يحكمها، فمن يكون؟

لسان حال دعاة العولمة يقول: يحكمها الأقوى وفقًا للمصالح التي يراها، فيجيز ما أراد ويمنع ما أراد، ويقترح السبل والوسائل التنظيمية التي أراد.

وهذا ما يرفضه قطاع عريض، وتيارات متباينة من البشر، فليست مصلحة الأقوى أولى، وليست شريعة الغاب، دستورًا يُرضى.

(1) صحيح مسلم 4/ 1836.

(2) سورة الملك: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت