ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ? وَإِذًا لاَ تُمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِيلًا ? [الأحزاب: 16] يَقُولُ: لَوْ كَانَ الْفِرَارُ يَنْفَعُكُمْ لَمْ يَنْفَعْكُمْ إلاَّ حَيَاةً قَلِيلَةً ثُمَّ تَمُوتُونَ ، فَإِنَّ الْمَوْتَ لاَ بُدَّ مِنْهُ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْحَمْقَى أَنَّهُ قَالَ: فَنَحْنُ نُرِيدُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ بِمَعْنَى الأيَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُمْ يُمَتَّعُونَ بِالْفِرَارِ قَلِيلًا ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ أَبَدًا ، ثُمَّ ذَكَرَ جَوَابًا ثَانِيًا ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَنْفَعُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلاَّ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ جَوَابًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّ الْفَارَّ يَأْتِيهِ مَا قُضِيَ لَهُ مِنْ الْمَضَرَّةِ ، وَيَأْتِي الثَّابِتُ مَا قُضِيَ لَهُ مِنْ الْمَسَرَّةِ ، فَقَالَ: ? قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ? [الأحزاب: 17] ، وَنَظِيرُهُ: قَوْلُهُ فِي سِيَاقِ آيَاتِ الْجِهَادِ: ? أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ? [ النساء: 78 ] ، الآيَةَ وَقَوْلُهُ: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ? [ آل عمران: 156 ] .