الصفحة 53 من 70

فَمَضْمُونُ الأمْرِ: أَنَّ الْمَنَايَا مَحْتُومَةٌ ، فَكَمْ مَنْ حَضَرَ الصُّفُوفَ فَسَلَّمَ ، وَكَمْ مِمَّنْ فَرَّ مِنْ الْمَنِيَّةِ فَصَادَفَتْهُ ، كَمَا قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - لَمَّا اُحْتُضِرَ -: (( لَقَدْ حَضَرْت كَذَا وَكَذَا صَفًّا ، وَأَنَّ بِبَدَنِي بِضْعًا وَثَمَانِينَ ، مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِسَيْفِ وَطَعْنَةٍ بِرُمْحِ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمِ ، وهأنذا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي كَمَا يَمُوتُ الْبَعِيرُ ، فَلاَ نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ ) ) (1) .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ? قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنَا ? [ الأحزاب: 18 ] ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَنْ يَرْجِعُ مِنْ الْخَنْدَقِ فَيَدْخُلُ الْمَدِينَةَ ، فَإِذَا جَاءَهُمْ أَحَدٌ قَالُوا لَهُ: وَيْحَك اجْلِسْ فَلاَ تَخْرُجْ ، وَيَكْتُبُونَ بِذَلِكَ إلَى إخْوَانِهِمْ الَّذِينَ بِالْعَسْكَرِ: أَنْ ائْتُونَا بِالْمَدِينَةِ فَإِنَّا نَنْتَظِرُكُمْ ، يُثَبِّطُونَهُمْ عَنْ الْقِتَالِ ، وَكَانُوا لاَ يَأْتُونَ الْعَسْكَرَ إلاَّ أَلاَّ يَجِدُوا بُدًّا ، فَيَأْتُونَ الْعَسْكَرَ لِيَرَى النَّاسُ وُجُوهَهُمْ ، فَإِذَا غَفَلَ عَنْهُمْ عَادُوا إلَى الْمَدِينَةِ ، فَانْصَرَفَ بَعْضُهُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَجَدَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَعِنْدَهُ شِوَاءٌ وَنَبِيذٌ ، فَقَالَ: أَنْتَ هَهُنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ ؟ فَقَالَ: هَلُمَّ إلَيَّ فَقَدْ أُحِيطَ بِك وَبِصَاحِبِك .

فَوَصَفَ الْمُثَبِّطِينَ عَنْ الْجِهَادِ - وَهُمْ صِنْفَانِ - بِأَنَّهُمْ:

(1) سير أعلام النبلاء: 1/382 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت