رسالة في الحقيقة والمجاز
شيخ الإسلام ابن تيمية
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ تيمية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَصْلٌ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الآمدي فِي أَحْكَامِهِ:"الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ": اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي اشْتِمَالِ اللُّغَةِ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمَجَازِيَّةِ؛ فَنَفَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إسْحَاقَ وَمَنْ تَابَعَهُ؛ - يَعْنِي أَبَا إسْحَاقَ الإسفراييني - وَأَثْبَتَهُ الْبَاقُونَ وَهُوَ الْحَقُّ. قُلْت الْكَلَامُ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي تَحْرِيرِ هَذَا النَّقْلِ؛ وَالثَّانِي فِي النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ الْقَوْلَيْنِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَيُقَالُ: إنْ أَرَادَ بِالْبَاقِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ كُلَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَتَقْسِيمِهَا إلَى: الْكِتَابِ؛ وَالسُّنَّةِ؛ وَالْإِجْمَاعِ؛ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ؛ وَالْكَلَامِ فِي وَجْهِ دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ: أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مِنْ زَمَنِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ؛ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ كَانُوا أَقْعَدَ بِهَذَا الْفَنِّ وَغَيْرِهِ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ الدِّينِيَّةِ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى شريح: اقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ - وَفِي لَفْظٍ - فَبِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ؛ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَإِنْ شِئْت أَنْ تَجْتَهِدَ رَأْيَك. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَحَدِيثُ مُعَاذٍ مِنْ أَشْهَرِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ. وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ بِالْأُصُولِيِّ مَنْ يَعْرِفُ"أُصُولَ الْفِقْهِ"وَهِيَ أَدِلَّةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ؛ بِحَيْثُ يُمَيِّزُ بَيْنَ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ وَيَعْرِفُ مَرَاتِبَ الْأَدِلَّةِ؛ فَيُقَدِّمُ الرَّاجِحَ مِنْهَا - وَهَذَا هُوَ مَوْضُوعُ أُصُولِ الْفِقْهِ؛ فَإِنَّ مَوْضُوعَهُ مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَمَرْتَبَتِهِ - فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ أُصُولِيٌّ؛ إذْ مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَمَرْتَبَتِهِ بَعْضُ مَا يَعْرِفُهُ الْمُجْتَهِدُ وَلَا يَكْفِي فِي كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا أَنْ يَعْرِفَ جِنْسَ الْأَدِلَّةِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ أَعْيَانَ الْأَدِلَّةِ وَمَنْ عَرَفَ أَعْيَانَهَا وَمَيَّزَ بَيْنَ أَعْيَانِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا كَانَ بِجِنْسِهَا أَعْرَفَ كَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ أَشْخَاصِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهَا فَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ نَوْعِهَا لَازِمٌ لِذَلِكَ؛ إذْ يَمْتَنِعُ تَمْيِيزُ الْأَشْخَاصِ بِدُونِ تَمْيِيزِ الْأَنْوَاعِ. وَأَيْضًا فَالْأُصُولِيُّونَ يَذْكُرُونَ فِي مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ مَذَاهِبَ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَالِكِ؛ وَالشَّافِعِيِّ؛ والأوزاعي؛ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وداود وَمَذْهَبِ أَتْبَاعِهِمْ بَلْ هَؤُلَاءِ وَنَحْوُهُمْ هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِمَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ؛ إذْ كَانُوا يَعْرِفُونَهَا بِأَعْيَانِهَا وَيَسْتَعْمِلُونَ الْأُصُولَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ الَّذِينَ يُجَرِّدُونَ الْكَلَامَ فِي أُصُولٍ مُقَدَّرَةٍ بَعْضُهَا وُجِدَ وَبَعْضُهَا لَا يُوجَدُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ أَعْيَانِهَا فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ كَانَ مَا يَقُولُونَهُ حَقًّا فَهُوَ قَلِيلُ الْمَنْفَعَةِ أَوْ عَدِيمُهَا؛ إذْ كَانَ تَكَلُّمًا فِي أَدِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ فِي الْأَذْهَانِ لَا تَحَقُّقَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ كَمَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْفِقْهِ فِيمَا يُقَدِّرُهُ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ حُكْمَ الْأَفْعَالِ الْمُحَقَّقَةِ مِنْهُ فَكَيْفَ وَأَكْثَرُ مَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدَّرَاتِ فَهُوَ كَلَامٌ بَاطِلٌ وَإِذَا كَانَ اسْمُ الْأُصُولِيِّينَ يَتَنَاوَلُ الْمُجْتَهِدِينَ الْمَشْهُورِينَ الْمَتْبُوعِينَ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ؛ وَالثَّوْرِيِّ؛ والأوزاعي وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ راهويه وَغَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ جَرَّدَ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ