* وهذا الكلام يحمل على الغالب كما قلنا .. لوجود من يُستثنى .. وهم فئة العلماء الربانيين .. وقد ذكر وصفهم الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله بقوله"فإذا استكمل هذه المراتب الأربع ( العلم والعمل والدعوة والصبر ) صار من الربّانيين .. فإن السلف مجمعون على أنّ العالم لا يستحق أن يسمّى ربّانيا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلّمه ..فمن علِم وعمِل وعلّم فذلك يُدعى عظيما في ملكوت السماء"
ولما كان للعالم الرباني منزلته في بلده .. كان طلاب العلم والجمهور من العامة يتسابقون لتقييد أو حفظ كل كلمة ينطق بها .. أو أي عمل يعمله والاقتداء به . وهذا الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه - وقصته في فتنة القول بخلق القرآن معلومة - كان يسعه ما وسع غيره .. سواء كان ذلك بالسكوت وعدم الإنكار أو موافقتهم فيما ذهبوا إليه .. ولكن ربانيته أبت عليه أن يبطل أصلا من أصول التوحيد لهوى أو دنيا أو خوف وعلمه أيضا أن لكلامه أثر في نفوس الناس وربما اقتدى به البعض وكان سببا في ثبات من ضلّ على ضلاله..ولهذا كان الإمام أحمد رضي الله عنه رجل مرحلة واستحقّ أن يلقب بسيّد العلماء وكبيرهم.
وإننا أحوج ما نكون في زماننا هذا إلى العلماء الربانيين الذين حصّنوا أنفسهم من أن يصل إليهم الفساد المعنوي والحسي !! .
والربانية هي موضوع هذا الكتاب .. ومردّها إلى أمرين لا سبيل إلى تحقيقها إلا بهما.
حقيقة العلم .. و حقيقة الطلب .
وهما موضوع مبحثنا الأول:
أولا: حقيقة العلم:
-كان العلم يُطلبُ للآخرة فطلب للدنيا فمحيت بركته .
وهذا هو الفارق الأول بين العالم الرباني وغيره.
قال الصحابي ابن عباس رضي الله عنهما لو أنّ حملة العلم أخذوه بحقّه وما ينبغي لأحبّهم الله وملائكته والصالحون ولها بهم الناس .
فالسلف رحمهم الله ما كانوا يطلبون العلم لذاته بل لشيء أكبر .
قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله إنما يطلب الحديث ليُتْقى به الله عزّوجل .