... أما أن يدعي العبد أن قصده حسن وهو متقحم في المخالفات الشرعية وواقع بيديه ورجليه في البدع الردية ، فهذا كذب وزور وتلبيس ، فلابد مع سلامة القصد موافقة العمل للسنة ، والله تعالى ذكر عن المنافقين قولهم: { إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا } مخادعة للمؤمنين ، وهي دعوى سامجة مخالفة لما يدعون إليه ، فإنهم يدعون إلى التحاكم إلى الطواغيت ، وإذا دعوا إلى الله ورسوله وكتابه ليحكم بينهم فإنهم يصدون صدودًا ، ومع ذلك يقولون: { إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا } ، فكذبهم الله تعالى في هذه الدعوى بقوله: { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا } ، فسلامة القصد لا تغني عن صاحبها إذا أساء العمل ، والعبد الموفق هو من يحرص على الأمرين جميعًا سلامة القصد ، وإحسان العمل ، وإذا ما وقعت منه هفوة بادر بالتوبة والإقلاع وتصحيح المسار إلى الله تعالى ، والله أعلم .
( فصل )
... فإذا فهمت هذه القواعد فهمًا جيدًا فدونك هذه القاعدة التي هي مقصود هذه الرسالة ، وهي قاعدة: ( شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف ) ، وفي نظمها قلت:
شرعية الأصول لا تستلزم ... شرعية الأوصاف يا من يفهم
... وبيانها أن يقال: اعلم - رحمنا الله وإياك - أن الأصل في العبادات الإطلاق أي الإطلاق عن الشرط ، والإطلاق عن الصفة ، والإطلاق عن الزمان ، والإطلاق عن المكان ، والإطلاق عن المقدار ، وقد تقرر لنا سابقًا أن الأصل هو بقاء المطلق على إطلاقه ولا يفيد إلا بدليل .