الصفحة 41 من 429

وهي قضية متواترة قطعية لا يدخلها مطلق الريب , فبان بذلك أن الإيمان بالقدر وإثباته ووجب التصديق به مما أتى به الشرع كتابا وسنة فإنكاره وجحده أو إنكار شيء من مراتبه إحداث في الدين شيئا ليس منه , وكل إحداث في الدين فهو رد فإنكار القدر من أعظم المحدثات وأخطر البدع الرديات لأنه تكذيب وجحد لما تواتر من الأدلة النقليات , وإنكار لإجماع العلم على اختلاف الفترات , وتعطيل لحكمة وعلم وقدرة رب الأرض والسماوات إلى غير ذلك من سائر أنواع المهلكات وأصناف البليات فإنكار مما أحدثه الشيطان وأوحاه إلى أوليائه وزينه في قلوبهم , فأقحموا عقولهم في كشف تفاصيل القدر وأوروا عليه من الإشكالات ما حارت فيه أفهام البقر ، فضلوا وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ، فاحذر رحمك الله تعالى من إنكار القدر أو الخوض فيه بلا علم فإنه من بلايا الأمور على مر العصور وتصرم الدهور ، فإنكاره محدثة وبدعة ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ، وليس إنكار القدر محدثة فقط ، بل هو مصادم للمتواتر المنصوص عليه في المنقول ومناقض للمتقرر عند أصحاب العقول فمنكر القدر لا نقل معه ولا عقل ، وإنما هو التحكم والشهوة والهوى وقد ضل فيه طائفتان ، طائفة القدرية وطائفة الجبرية ، وصور إنكار القدر كثيرة ، فمنها: إنكار حكمة الله تعالى في فعله ومنها: سلب العبد قدرته واختياره ومنها: اعتقاد أن العبد هو الذي يخلق فعله ومنها: نفي الأسباب ومنها: الاعتماد المطلق على السبب ومنها: اعتقاد أن العبد مسير مطلقا أو مخير مطلقا لأن كلا هذين المذهبين مبنيان على المخالفة في مرتبة من مراتب القدر ، ومنها: الاحتجاج بالقدر على ارتكاب الموبقات والآثام ، وقد تكلمنا عن هذه التفاصيل في مواضع أخرى والمقصود هنا هو أن إنكار القدر محدثة وبدعة في الشرع فهو رد على أصاحبه لأن المتقرر أن كل إحداث في الدين فهو رد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت