فهرس الكتاب
أقول: وشرح هذه القاعدة واسع ، وقد وجدت لها من الفروع الشيء الكثير ، وسوف أكتفي منها بعشرين فرعًا فقط ، ولكن قبل ذلك نشرحها شرحًا إجماليًا فأقول: إن القاعدة المتقررة في الشريعة أن الجزاء من جنس العمل ، فمن فعل شرًا فإنك تجد أن الشارع إذا عاقبه فإنه يعاقبه بجنس ما فعله من الشر ، وهذه القاعدة فرع عن قاعدة الجزاء من جنس العمل ، فمن نوى الشر وأيد هذه النية بالفعل فإن نيته تنقلب عليه وفعله المقارن لها يعود عليه وبالًا وعقوبة وخسارة في الدنيا والآخرة ، فنأتي أولًا إلى هذه النية الفاسدة فنبطلها ، ثم نبطل جميع أفعاله التي فعلها بهذه النية ، فيكون وجودها كعدمها ، أي كأنه لم يفعلها ، ولا نكتفي بذلك فقط ، بل لا بد من تعزيزه على هذه النية الفاسدة وهذا الفعل الفاسد ، ويختلف التعزيز بما نراه مناسبًا لحاله ، ونقول له: أنت نويت بفعلك هذا شرًا ونحن نقابلك بخلاف نيتك هذه ونقلبها عليك ونعاقبك بنقيض قصدك الذي هممت به وعزمت عليه ، فكنت تريد شيئًا فحرمناك منه ، واستعجلت شيئًا قبل أوانه الشرعي فعاقبناك بالحرمان منه ، ودليل هذه القاعدة قوله تعالى: ( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) قال ابن كثير: ( أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم ، قال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إياك ومكر السيء فإنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله ولهم من الله طالب") اهـ .