الصفحة 46 من 1195

إن العلمانية تعني - بداهة - الحكم بغير ما أنزل الله، وتحكيم غير شريعة الله، وقبول الحكم والتشريع من دون الله، والطاعة والاتباع للطواغيت، فهذا معنى قيام الحياة على غير الدين، أو بعبارة أخرى فصل الدين عن الدولة، أو فصل الدين عن السياسة، ومن ثم فهي نظام جاهلي لا مكان لمعتقداته، ولا لنظامه، ولا لشرائعه في دائرة الإسلام. بل هو نظام كافر بنص القرآن الكريم [1] ، قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [2] .

إن الإسلام - الدين الحق - لم يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، أي لم يعزل أمور الدولة عن المجتمع، وأيضًا فهو لم يضع لدولة المسلمين النظم والقوانين والنظريات، وإنما اتخذ لنفسه موقفًا وسطًا في هذا الميدان. منسقًا - في ذلك - مع النمط الذي يتميز به في العديد من الأمور، فلأنه - أي الإسلام - الشريعة الخاتمة، ولأن أمور الدولة والمجتمع والحياة في تطور مستمر لا يتوقف، وفي تسارع دائم، لم يشأ الله عز وجل أن يوحي بنصوص حاكمة مفصلة، ضابطة لكل أمر من الأمور الثلاثة - التي مر ذكرها -، على عكس موضوع المرأة في الإسلام، إذ جعله الله في أحكام مفصلة تضبطه؛ لأنه غير قابل للتطور مع استمرار الحياة.

ولأنه - أي الإسلام -لم يتخير موقف (الفصل بين الدين والدنيا) - والدولة جزء منها- كان انحيازه لموقف (التمييز) بينهما. فلا فصل ولا وحدة، وإنما تمييز، فهو لا يضع النظم، ولا النظريات، ولا القوانين، التي تركها للعقل والتجربة، وإنما وضع الفلسفة، والمثل، والمعايير، والمقاصد، والغايات التي تحكم أطر هذه النظريات، والنظم، والقوانين.

فهو - مثلًا - قد جعل الشورى فلسفة للنظام السياسي، دون أن يضع نظامًا سياسيًا، وجعل ملكية رقبة المال والثروة لله سبحانه وتعالى، وجعل الإنسان خليفته ونائبه ووكيله في هذا المال، وتلك هي فلسفة نظامه المالي، الذي يتحدد ويتطور على النحو الذي يقترب بالإنسان من تحقيق هذه الفلسفة، كما جعل (المصلحة) ونفي (الضرر والضرار) المعيار الذي يحكم أطر النظم، والقوانين، والنظريات، على اختلاف العصور والنظم والحضارات [3] .

(1) انظر: موقف أهل السنة والجماعة من العلمانية/ محمد عبدالهادي المصري ص23.

(2) سورة المائدة الآية (44) .

(3) انظر: الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية/ محمد عمارة ص174،175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت