فاليهود انحرفوا في النسخ حتى زعموا أنه لا يقع من الله ولا يجوز عليه ، كما ذكر الله عنهم إنكاره في القرآن حيث قال: (( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) )"البقرة: 142"
والنصارى قابلوهم فجوزوا للقسيسين والرهبان أن يوجبوا ما شاءوا ، ويحرموا ما شاءوا .
وكذلك تقابلهم في سائر الأمور .
فهدى الله المؤمنين إلى الوسط ، فاعتقدوا في الأنبياء ما يستحقونه ، ووقروهم ، وعزروهم ، وأحبوهم ، وأطاعوهم ، واتبعوهم ، ولم يردوهم كما فعلت اليهود ، ولا أطروهم ولا غلوا بهم فنزلوهم منزلة الربوبية كما فعلت النصارى .
وكذلك في النسخ ، جوزوا أن ينسخ الله ، ولم يجوزوا لغيره أن ينسخ ، فإن الله له الخلق والأمر ، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره .
وهكذا أهل الاستقامة في الإسلام المعتصمون بالحكمة النبوية ، والعصبة الجماعية .
متوسطون في باب التوحيد والصفات بين النفاة المعطلة وبين المشبهة الممثلة .
وفي باب القدر والعدل والأفعال بين القدرية والجبرية والقدرية والمجوسية.
وفي باب الأسماء والأحكام بين من أخرج أهل المعاصي من الإيمان بالكلية كالخوارج أهل المنزلة ، وبين من جعل إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والصديقين كالمرجئة والجهمية .
وفي باب الوعيد والثواب والعقاب بين الوعيديين الذين لا يقولون بشفاعة نبينا لأهل الكبائر ، وبين المرجئة الذين لا يقولون بنفوذ الوعيد .
وفي باب الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الذين يوافقون الولاة على الإثم والعدوان ، ويركنون إلى الذين ظلموا ، وبين الذين لا يرون أن يعاونوا أحدا على البر والتقوى، لا على جهاد ولا على جمعة ولا أعياد إلا أن يكون معصوما ، ولا يدخلوا فيما أمر الله به ورسوله إلا في طاعة من لا وجود له .
فالأولون يدخلون في المحرمات تبعا للطاعة، وهؤلاء يتركون واجبات الدين ، وشرائع الإيمان لأجل موافقة الظالم .