فهرس الكتاب
للتحرر في العالم الإسلامي المسألة الحضارية ذات بالٍ، بل كانوا ينازعون الغرب على المستوى السياسي، لكن على المستوى الثقافي كانوا يستلهمون قيم الغرب وطريقته للحياة! وكان الغرب اللئيم يدرك جيدًا أن المعركة مع العالم الإسلامي خصوصًا هي بالأساس معركة الدين الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية، وكأن لسان حاله يقول: إذا كسبنا معركة الدين والثقافة نكون قد انتصرنا حقًا، أما معركة السياسة والاقتصاد فخسارتها يمكن تعويضها بأدوات الهيمنة والضغوط المختلفة. واستطاع الغرب أن يستعيد مكاسب السياسة والاقتصاد، إلى حد أن التحرر السياسي والاقتصادي للعالم الثالث لم يكن سوى مسألة شكلية، لكن معركة الثقافة والحضارة والدين ظلت قائمة ومشتعلة.
وللحق؛ فإن التيار الإسلامي انتبه منذ البداية لأهمية معركة الحضارة، والتي يقع الدين في قلبها، أما العلمانيون الذين قادوا معارك الاستقلال في العالم الإسلامي وكانوا متأثرين بالنموذج الغربي الحضاري؛ فقد اعتبروا قضايا الدين والثقافة قضايا هامشية يهتم بها دراويش التيار الإسلامي، لكن الذين تحرروا من وهم أن الصراع مع الغرب هو صراع سياسي بالأساس أعلنوا أنهم كانوا مخطئين.
ومع تراجع النظرية السياسية الغربية التي تأسست على جعل الدين قوة عينية لا صلة لها بالواقع أو الحياة، وإعادة الاعتبار للدين بوصفه قوة محركة للشعوب؛ بدأ النظر للدين وللحركات الإسلامية بوصفها جزءًا من علم السياسة والاجتماع، لكننا نتحدث اليوم عن اعتبار الدين والثقافة والحضارة هي صلب علم السياسة والعلاقات الدولية، وكما كان الدين الإسلامي ـ وليس أي دين آخر ـ هُو الذي لفت انتباه الغرب لأهمية الدين في أن يصبح قوة ثورية إيجابية؛ فإنه ـ أي الدين الإسلامي ـ هو الذي يلفت الانتباه مرة أخرى إلى أن الدين، والجوانب الثقافية والحضارية هي صلب العلاقات الدولية، وصلب العلوم السياسية والاجتماعية.
والعلاقة بين الإسلام والغرب فيما يتصل بالجانب الحضاري والديني والثقافي قديمة؛