الصفحة 170 من 205

منذ سَعْي الغرب إلى الدعوة لِقَيمه حتى صار له أتباع وعملاء ينافحون عن هذه القيم، وكانت مسألة الغزو الثقافي والفكري محورًا أساسيًا في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي، ولم تَغِب الروح الصليبية في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي، واعتبر الاستعمار نفسه جزءًا من استمرار الحملات الصليبية، وحين قدر للجيوش الفرنسية أن تدخل دمشق ذهب الفرنسي «جور» لقبر صلاح الدين، وقال: «ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين!» ، ولم يكفّ الفرنسيون والبريطانيون وغيرهم عن محاولة النفاذ إلى مصادر القوة في الإسلام لتحطيمها، فكانت (العلمانية) و (فصل الدين عن الدولة) في تركيا وباكستان، ثم على المستوى الفكري بكتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) ، وكانت الدعوة لتحرير المرأة التي قادها قاسم أمين، والتي كانت تعني خلع المرأة المسلمة لحجابها وحيائها، وكانت الدعوة إلى الاجتهاد، والتي لم تكن إلا عنوانًا لتحريف الشريعة ذاتها لتوافق متطلبات العصر الحديث، ثم كانت اللغة العربية والأزهر ميادين للصراع مع الغرب؛ ثم كانت القومية العربية التي رَوَّجَ لها نصارى الشام لتفتيت الدولة العثمانية، وظلت معركة المصحف والإسلام والعقيدة حية لم تمت أبدًا في الوعي الغربي، وظلَّ العالم الإسلامي يمثل معضلة أمام الغرب؛ لأن الإسلام بوصفه منهجًا شاملًا للحياة ظل يمثل حصنًا لا يمكن القضاء عليه، وكانت العودة للإسلام مرة أخرى منذ السبعينيات معضلة جديدة أمام الغرب، فعزله على المستوى السياسي تعافى وقوي واشتد، أما غزله على المستوى الحضاري والثقافي فقد نُقض أنكاثًا بعد وهم قوته؛ ولمّا كانت المعركة الجديدة تستهدف ما نطلق عليه «ما قبل السياسة» ـ أي المحاضن الدينية والثقافية التي حفظت الإسلام طوال الصراع مع الغرب ـ فإن المعركة اليوم مقصود بها العقيدة والشريعة معًا.

الجديد في الموضوع أن الصراع الثقافي والحضاري الذي يقع الدين في قلبه كان يقوم به دوائر ثقافية؛ مثل الكنائس والجامعات، أو الدوائر الثقافية في وزارات الخارجية، أو غيرها، أما اليوم فإن الذي يقوم بتنفيذ معركة المواجهة هو قلب الإدارة الحاكمة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت