الصفحة 27 من 49

".. مرة، أوحى الله تعالى إلى النبي [- صلى الله عليه وسلم -] وحيًا شديد المؤاخذة لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلًا غنيًا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان [- صلى الله عليه وسلم -] كما يقول أغبياء النصارى بحقه [- صلى الله عليه وسلم -] لما كان لذاك الوحي من وجود !" (1) .

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقابل هذا الرجل الأعمى، فيهش له ويبش، ويبسط له الفراش، ويقول له:

"مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي" (2) !

ففي هذه القصة، نرى علة المعاتبة، لكونه- صلى الله عليه وسلم - انشغل بدعوة الوجهاء عن قضاء حاجة هذا الكفيف، وكان الأولى أن تُقضى حاجته، وتقدم على حاجات من سواه من الناس .

وفي هذه القصة دلالة شرعية على تقديم حاجات ذوي الاحتياجات الخاصة على حاجات من سواهم.

المطلب الرابع: عفوه - صلى الله عليه وسلم - عن سفهائهم وجهلائهم:

وتجلت رحمة الحبيب - صلى الله عليه وسلم - بذوي الاحتياجات الخاصة، في عفوه عن جاهلهم، وحلمه على سفيههم ، ففي معركة أحد [ شوال 3هـ- أبريل624 م] ، لما توجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بجيشه صوب أحد، وعزم على المرور بمزرعة لرجل منافق ضرير، أخذ هذا الأخير يسب النبي- صلى الله عليه وسلم - وينال منه ، وأخذ في يده حفنة من تراب وقال - في وقاحة - للنبي- صلى الله عليه وسلم: والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك لرميتك بها ! حَتَّى هم أصحاب النبي بقتل هذا الأعمى المجرم، فأبي عليهم -نبي الرحمة- وقال:

"دعوه ! فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر" (3) .

(1) لايتنر: دين الإسلام ، ص 12 - 13 .

(2) تفسير القرطبي 19/ 184، والبيضاوي 451

(3) ابن كثير: السيرة النبوية (ج 2 / ص 347)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت