"كان قد مرض وقائد الجيش يزيد ابن معاوية، فأتاه يعوده، وقال: ما حاجتك؟! قال: حاجتي إذا أنا مت فاركب بي، ما وجدت مساغًا في أرض العدو، فإذا لم تجد فادفني، ثم ارجع ففعل" ( انظر الإصابة لابن حجر: 2 /235 ) .
والتابعي الجليل موسى بن نصير رحمه الله فتح الأندلس، هو ومولاه (طارق بن زياد) ، وقسمًا من جنوب فرنسا.
ويذكر التاريخ له قولته وهو شيخ كبير:"ما هزمت لي راية قط، ولا فض لي جمع، ولا نكب المسلمون معي نكبة منذ اقتحمت الأربعين، إلى أن شارفت الثمانين" ( انظر سير أعلام النبلاء: 4 / 499 ) .
هذا ما يفعله الإسلام في النفوس، حين تمتزج مبادئ الدين مع نفوس معتنقيه، ورغم أن موسى بن نصير رحمه الله كان أعرج مسنًا، توفي سنة 99هـ، في المدينة النبوية وقد قارب الثمانين ـ رحمه الله ـ.
في حين كان حكيم الجاهلية وشاعرها"زهير بن أبي سلمى"، يشكو من بلوغه سن الثمانين في قوله المشهور:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم
إلا أن الإسلام يصنع العجائب، وليس ذلك بغريب على دين يدعو أتباعه إلى بذل الجهد والعمل والاجتهاد حتى الموت.
وفي تاريخنا القديم والحديث مسنون: استمروا في العطاء الغزير في كافة المجالات، رغم العمر المديد، وما ذلك إلا بسبب المكانة التي يحظى بها المسنون في المجتمعات الإسلامية.
فأبو القاسم البغوي: مات وقد استكمل مائة وثلاث سنين وشهرًا واحدًا"."
وكان طلاب العلم يسمعون عليه، حتى مات رحمه الله ( انظر سير أعلام النبلاء: 14 / 456 ) .
وعطاء بن أبي رباح: مفتي الحرم المكي، عاش ثمان وثمانين سنة، كان رحمه الله بعد ما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية، من سورة البقرة وهو قائم، لا يزول منه شيء ولا يتحرك (انظر صفوة الصفوة: 2 / 214 ) .
لقد حفظ هؤلاء الأئمة الأعلام جوارحهم، فحفظها الله لهم، كما نوه بذلك شيخ الإسلام القاضي أبو الطيب الطبري، وقد عمر أكثر من مائة سنة.