"ووقع في هذا الشهر نزاع بين الحنابلة في مسألة المناقلة، وكان سببها أن القاضي المالكي - وهو قاضي القضاة جمال الدين المسلاتي - أذن للشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي أن يحكم بالمناقلة في قرار دار الأمير سيف الدين طيدمر الإسماعيلي حاجب الحجاب إلى أرض أخرى يجعلها وقفا على ما كانت قرار داره عليه، ففعل ذلك بطريقه، ونفذه القضاة الثلاثة: الشافعي والحنفي والمالكي، فغضب القاضي الحنبلي - وهو قاضي القضاة جمال الدين المرداوي المقدسي - من ذلك، وعقد بسبب ذلك مجالس، وتطاول الكلام فيه، وادعى كثير منهم أن مذهب الإمام أحمد في المناقلة إنما هو في حال الضرورة، وحيث لا يمكن الانتفاع بالموقوف. فأما المناقلة لمجرد المصلحة والمنفعة الراجحة فلا."
وامتنعوا من قبول ما قرره الشيخ تقي الدين ابن تيمية في ذلك ونقله عن الإمام أحمد - من وجوه كثيرة، من طريق ابنه صالح وحرب وأبي داود وغيرهم - أنها تجوز للمصلحة الراجحة، وصنف في ذلك مسألة منفردة وقفت عليها فرأيتها في غاية الحسن والإفادة بحيث لا يتخالج من اطلع عليها ممن يذوق طعم الفقه أنها مذهب الإمام أحمد رحمه الله؛ فقد احتج أحمد في ذلك في رواية ابنه صالح بما رواه عن يزيد بن هارون عن المسعودي عن القاسم بن محمد أن عمر كتب إلى ابن مسعود أن يحول المسجد الجامع بالكوفة إلى موضع سوق التمارين ويجعل السوق في مكان المسجد الجامع العتيق ففعل ذلك.
فهذا فيه أوضح دلالة على ما استدل به فيها من النقل بمجرد المصلحة؛ فإنه لا ضرورة إلى جعل المسجد العتيق سوقا، على أن الإسناد فيه انقطاع بين القاسم وبين عمر، وبين القاسم وبين ابن مسعود، ولكن قد جزم به صاحب"المذهب"واحتج به، وهو ظاهر واضح في ذلك. فعُقِد المجلس في يوم الإثنين الثامن والعشرين من الشهر". (*) "
المشروعات: مصلحية وعبادية.. معقولة وغير معقولة