كذلك دوّن ابن جبير في أثناء إقامته في مكة لمظاهر ختم القرآن الكريم في كل وتر من الليالي العشر الأواخر في رمضان، حيث كان أبناء مكة من الصبية يتنافسون في ختمه والاحتفال بذلك بإيقاد الشموع والثريات وتقديم الطعام. وأشار الرحالة إلى ابن إمام الحرم الذي ختم القران في ليلة خمس وعشرين وأعقب ذلك بخطبة بليغة نالت استحسان الحضور على الرغم من صغر سن الخطيب. ونقل حكاية أخرى عن غلام مكيّ من ذوي اليَسار دون الخامس عشر احتفل أبوه به عند ختم للقران العظيم في ليلة ثلاث وعشرين، حيث أعدّ له ثريا صُنِعت من الشمع وذات غصون علقت فيها أنواع الفواكه اليابسة والرطبة، وأعدّ لها والده شمعًا كثيرًا، ووضع وسط الحرام شبيه المحراب المربع أقيم على قوائم أربعة تدلت منه قناديل مُسرجة أحاط دائرة المحراب المربع بمسامير مدببة الأطراف غرز فيها الشمع وأوقدت الثريا المغصّنة ذات الفواكه، ووضع الأب بمقربة من المحراب مِنْبَرا مُجللًا بكسوة مجزعة مختلف الألوان، وحضر الأمام الطفل فصلى التراويح وختم وقد ملىء المسجد بالرجال والنساء وهو في محرابه وحوله الشمع المضاء.
رحلة ابن بطوطة
أمّا أبو عبدالله محمد بن إبراهيم اللواتي، نسبة إلى لواته، المعروف بابن بطوطة، فقد ولد في مدينة طنجة بالمغرب، ومكث فيها إلى أن بلغ الثانية والعشرين، فاندفع بدافع التقوى إلى أداء فريضة الحج، وانساق بحبه الأسفار إلى التجوال في بلدان العالم المعروف في أيامه. ويعتبر ابن بطوطة سيّد الرحالة العرب والمسلمين، وأمضى ما يقارب من نصف عُمره وهو يتجول بين البلدان، واستغرقت رحلات ابن بطوطة زهاء تسعٍ وعشرين سنة، أطولها الرحلة الأولى التي لم يترك ناحية من نواحي المغرب والمشرق إلاّ زارها. وقد خرج من طنجة وعمره اثنان وعشرون عامًا وعاد إليها وقد أشرف على الخمسين، وقُدِّر ما قطعه في رحلاته بما يربو على خمسة وسبعين ألف ميل، وشملت جولاته بلدان المغرب العربي، ومصر، وبلاد الشام، وشبه جزيرة العرب، والعراق، وجزءًا من الساحل الشرقي لأفريقية، والأندلس والهند وروسية الجنوبية، وغيرها.
واختزن هذا الرحالة في ذاكرته المشاهد والصور والأخبار التي سردها، وأنّ قصة رحلاته من أطرف القصص وأجزلها نفعًا، لما فيها من وصف للعادات والأخلاق، ولما فيها من فوائد تاريخية وجغرافية، ومن ضبط لأسماء الرجال والنساء، والمدن والأماكن التي زارها وعاش فيها، وجاءت أوصافه بأسلوب فكهٍ، توخى فيه الأمانة، حتى لو كان الأمر لنفسه، وهذا ما جعل المستشرق دوزي يلقبه بالرحالة الأمين.
في مكة
يُعدّ ابن بطوطة شاهد عيان على حلول غرّة شهر الصوم المبارك في مكة المكرمة، فذكر لنا في رحلته تفاصيل عديدة عن عادات أهلها استهلال الشهور، ومنها شهرا رمضان وشوال، فقال عن عادات المكيين في استهلال الشهور قائلًا:
"وعادتهم في ذلك أن يأتي أمير مكة في أول يوم من الشهر، وقوّاده يحفلون به، وهو لابس البياض معمم، متقلدٌ سيفًا، وعليه السَكينة والوقار، فيصلي عند المقام الكبير ركعتين ثم يقبل الحجر، ويشرع في طواف أسبوع، ورئيس المؤذنين على أعلى قبة زمزم، فعندما يكمل الأمير شوطًا واحدًا ويقصد الحجر لتقبيله يندفع رئيس المؤذنين بالدعاء له والتهنئة بدخول الشهر رافعًا بذلك صوته ثم يذكر شعرًا في مدحه ومدح سلفه الكريم، ويفعل به هكذا في سبعة أشواط، فإذا فرغ منها ركع عند الملتزم ركعتين ثم ركع خلف المقام أيضًا ركعتين ثم انصرف، ومثل هذا سواء يفعل إذا أراد سفرًا وإذا قدم من سفر أيضًا". ثم عرض لنا عادة أهل مكة في شهر رمضان المُعظّم فقال:
"وإذا أهلَّ هلال رمضان تضرب الطبول والدبادب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرم نورا، ويسطع بهجة وإشراقا، وتتفرق الأئمة فرقًا ... من القُرّاء يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع ولا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلاّ وفيها قارئ يصلي بجماعته، فيرتج المسجد لأصوات القُرّاء، وترقّ النفوس وتحضر القلوب وتهمل الأعين."
ومن الناس من يقتصر على الطواف والصلاة في الحجر منفردا، والشافعية أكثر الأئمة اجتهادا، وعاداتهم أنهم إذا أكملوا التراويح المعتادة، وهي عشرون ركعة، يطوف إمامهم وجماعته، فإذا فرغ من الأسبوع ضربت الفرقعة التي ذكرنا أنها تكون بين يدي الخطيب يوم الجمعة وكان ذلك إعلاما بالعودة إلى الصلاة، ثم يصلي ركعتين ثم يطوف أسبوعًا، هكذا إلى أن يتم عشرين ركعة أخرى، ثم يصلون الشفع والوتر، وينصرفون.